مجالس قحطان

مجالس قحطان (http://www.qahtaan.com/vb/index.php)
-   ملتقى الكتاب والمؤلفين (http://www.qahtaan.com/vb/forumdisplay.php?f=40)
-   -   مـــــــــــــــــذكراتــــي اللــــــــــــــندنــــــــية (http://www.qahtaan.com/vb/showthread.php?t=59937)

مشاري بن نملان الحبابي 15-04-2010 11:18 PM

رد : مـــــــــــــــــذكراتــــي اللــــــــــــــندنــــــــية
 
في انتظار الحلقة العاشرة ..

نديم الهوى 17-04-2010 05:31 PM

رد : مـــــــــــــــــذكراتــــي اللــــــــــــــندنــــــــية
 
ابشر يا بن نملان



الحلقة العاشرة

قابلت الأمير بعد مدة من مغادرتهم المستشفى ولم يكن في معيته بريصة وأخبرني بأنه لم يعد يعمل معه بعد الآن وأنه قد استقر به المقام في مصر وقد تغيرت أحواله بسبب ظروفه عائلية خاصة، ولم أكثر السؤال عن ماهية تلك الظروف أو عن عنوانه ونسيت موضوعة تماما، لكن الظروف تسنت لي للوصول إليه عندما حصلت على دورة متقدمة في الجامعة الأمريكية في القاهرة مع بعض الزملاء وكان عددنا 14 شخص في العام 1994 تحديدا، بعد عشر سنوات بالتمام والكمال من عملية النصب التي قام بها بريصة في هارلي ستريت كلنك.

وللإلتحاق بالدورة في مصر التي بدأت في شهر فبراير سبقني جميع أصدقائي بالسفر بالطائرة، أما أنا فقررت السفر بسيارتي الجديدة البي إم دبليو 740 الكحلية الأنيقة والتي لم يمض على شرائها شهرا لأني حبيت أن أتمتع بقيادتها في شوارع القاهرة. فقمت قبل موعد السفر بشراء الكثير من الملابس الأنيقة والهدايا والعطورات والبخور وجلها أحضرتها لأني كنت متأكد بأني سأجد من أهديها إليه لاحقا. وضعت جميع الأغراض بالسيارة في الليل على أمل أن أبدأ الرحلة في صباح اليوم الباكر. لكن بسبب سعادتي وأنا أفكر في الرحلة القادمة وما ستحبل به الأشهر الطويلة القادمة في قاهرة المعز من مغامرات، لم يأتيني النوم حتى الساعة الثالثة فجرا، فقمت من سريري وغيرت ملابسي وأطلقت العنان للسيارة من مدينة الخبر متجها نحو القاهرة. استمريت في القيادة حتى وصلت منهكا لمدينة بريدة في الساعة الثانية عشر ظهرا، نمت في فندق يمشي الحال حتى المساء ومن ثم واصلت السير إلى أن وصلت مدينة حائل ومنها اتجهت لمدينة تبوك التي بتعد عنها نحو 650 كلم، وهي منطقة صحراوية موحشة وقفراء ذات طريق مفرد ولا توجد به خدمات إلا ما ندر،وتوجد بها مدائن صالح وتشمل عدة كهوف ومقابر منحوتة في الجبال لأقوام حكموا وعاشوا في هذه المنطقة من آشوريين وأنباط ورومان وعرب، وقد قال الله عنهم في القرآن الكريم (ولقد كذب أصحاب الحجر المرسلين وآتيناهم آياتنا فكانوا عنها معرضين، وكانوا ينحتون من الجبال بيوتاً آمنين فأخذتهم الصيحة مصبحين، فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون)، وعند الساعة الواحدة ليلا توقفت عند محطة مظلمة لونها بلون طين الهجير المتفطر ومكائن ضخ البنزين صدئة متهالكة مائلة متمائلة فملئت خزان وقود السيارة وتوجهت للبوفيه داخل بيت طيني وباب خشبي متهالك موجودة في وسط المحطة وطلبت شاي ليساعدني على الاستيقاظ أثناء القيادة. نظرت نحو سيارتي وأنا أنتظر العامل يسكب الشاي من أبريق أصفر نحاسي مطعج من كل الجهات، وإذ بي أشاهد رجلا بالقرب من سيارتي، أشعث أغبر وأحدب الظهر يلمس سيارتي ثم التفت إلي بنظرة مريبة ومخيفة لم أكترث له كثيرا وودت أنه لم يمس السيارة لأنها كانت جديدة وكنت أحافظ عليها كثيرا تلك الأيام، فأخذت الشاي ونظرت مرة أخرى نحوه فلم أجده وتعجبت كيف أختفى بهذه السرعة. ركبت سيارتي وتحركت مسرعا لا ألوي على شيء من هذه المحطة المظلمة كقلب كافر، وأضئت النور الداخلي، وتفحصت المقعد الخلفي بالمرآة العاكسة على سبيل الاحتياط فقط. شغلت شريط أم كلثوم واسترخيت طوال الطريق الطويل والذي يبدو أنه لا نهاية له وأنا أستمع إلى أغنيتها الخالدة التي تصدح بأحلى الكلمات" رجعوني عنيك لأيامي اللي راحوا *** علموني أندم على الماضي وجراحه ***اللي شفته قبل ما تشوفك عنيه *** عمري ضايع يحسبوه إزاي عليه"، وبعد نحو ساعة وأنا قي قمة الاسترخاء، سرحان وأفكر في المغامرات القادمة التي ستحدث في أزقة وفنادق القاهرة ونيلها وحول الهرم، فأخذني الأفكار حتى تخيلت أني اسير وسط وادي الملوك وأتجول بين قبور الفراعنة في الوادي الصخري المحاط بالتماثيل والتعاويذ التي يعتقد الفراعنة أنها تحمي قبور ملوكهم فتبسمت منتعشا لهذه التخيلات اللذيذة، لكن فجأة ظهر لي شيئا وسط الظلام شل تفكيري ووقف له شعر رأسي وكدت أنحرف بالسيارة من الرعب الذي أصابني، فقد ظهر لي نفس الشخص الذي رأيته قبل ساعة في المحطة الموحشة وهو يقف في نصف الطريق وبدت لحيته الكثة وأسنانه ظاهرة كأنياب ذئب متوحش وعيناه المريبة ازدادت حمرة، كل ذلك حدث في جزء من الثانية لكن صورته انطبعت في مخيلتي بكل تفاصيلها، فأصبني الهلع الشديد وخشيت أن يكون عفريت من الجان لأني كنت قد قطعت إلى الآن نحو 150 كلم ولم أمر على أثر لوجود حياة أو إنسان أو حتى نار مشتعلة، فكيف وصل هذا المسخ إلى هنا ولماذا وقف وسط الطريق، وبسرعة وبفعل الخوف والرهبة أستبدلت شريط أم كلثوم ووضعت بدل منه القرآن الكريم بصوت الشيخ عبد الباسط عبد الصمد حتى وصلت لمنطقة جبلية ومنعطفات تلتف كأنها ثعبان ولا أعلم أين تقع على الخريطة التي معي واستمريت بالسير لنحو 10 كلم أخرى ثم أنبسط الطريق مرة أخرى وكنت أتمنى أن أجد أثر للحياة أو محطة وقود أو أي شيء أتوقف عنده حتى يهدأ روعي ويطمئن قلبي. وتذكرت وأنا أستمع للآيات الكريمة وحشة القبر عندما ينقطع الإنسان عن الناس والدنيا وكيف يكون حاله عندما يكون وحيدا ليقابل مصيره الحتمي تحت التراب والظلام الدامس، ولكني بدأت أشعر ببعض الطمأنينة عندما ظهرت في جانبي سيارة عراوي وبها شخصان ويضيئها نور أحمر خافت، فتجاوزاني ونظرت للسرعة لدي فكانت 140 كلم في الساعة، ارتحت بعض الشيء لوجود بشر بالقرب مني ولكن ذلك لم يدم طويلا، فقد اختفت السيارة بعد مدة في الظلام ثم أتت سيارة أخرى شبيهة لها تماما وتجاوزتني فازدادت دقات قلبي أكثر فأكثر وأحسست أن هنالك شيء غير طبيعي في تلك السياراتين، فقررت أن أتجاوزها بدوري فزدت من سرعتي وأنا أنظر إلى من بداخلها لأرى تحت الأضواء الحمراء الخافتة قزمان أجزم أنهما بطول طفل في الرابعة من العمر يضحكان ضحكات شيطانية من كل قلبهما وكأنهما يقولان شاركنا الضحك . فتعجبت كيف يمكنها سياقة السيارة وماهي سر تلك الضحكات التي تخلع القلب من مكانه، فاستبدلت شريط عبد الباسط عبد الصمد ووضعت سورة البقرة بصوت الشيخ العجمي، وتجاوزت السيارة بسرعة قصوى وألقيت عليهم نظرة أخيرة في المرآة العاكسة وقد اختفوا بعيدا عني، ولكن ويا للهول فبعد أكثر من ربع ساعة من تجاوزهم وأنا أقود بسرعة عالية وجدت السيارة الأولى أمامي، فزدت من السرعة حتى اقتربت من 200 كلم وتجاوزتها دون أن أجرأ حتى أن أنظر إليها فسطع ضوئها الأحمر بقوة علي وأضاء قمرة القيادة حتى أني رأيت قدماي واضحتان وعليهما ظلال قرني شيطان، ولكن المفاجأة التي كادت أن تقضي علي وتنهي كل شيئ في تلك اللحظة أن ظهرت سيارة أخرى ثالثة مماثلة أمامي وبها نفس الأشخاص ونفس الضوء الأحمر، فأحسست أني قد دخلت وادي التيه وخرجت من دائرة الزمان. كان قد بقي عن صلاة الفجر نحو ساعة فصرت أدعو الله أن يأتي بنور الصباح حتى تنتهي هذه الليلة المرعبة الطويلة وأنا وحيدا وجلا في قلب هذه البيداء التي لا نهاية لها أردد الأيات مع الشيخ العجمي، لكن ولله الحمد أتى الفرج عندما ظهر على مد البصر بصيص ضوء خافت في نهاية الطريق ففرحت واستبشرت خيرا وعادت الطمأنينة لي شيئا فشيئا وقررت التوجه إلى المكان والبقاء به حتى يشع نور الصباح. كان المحل الذي قصدته هو محطة تقوية للهاتف السعودي السيار الكحيان في تلك الأزمان، فتوقفت بالقرب منه وأطمأننت حينما وجدت عدة سيارات للهاتف وشخص مسلح يقوم بسكب ما بقي من القهوة على الرمال. وقفت في جانبه وكان ينظر إلي بحذر وأنا بدوري أنظر بحذر أكثر منه، سلمت عليه ورد التحية وقلت هل تسمح لي بالجلوس معكم حتى الصباح، رحب بي وقال حياك الله، تفضل صلي معنا الفجر وافطر ثم توكل على بركة الله. جلست معهم وكانوا نحو خمسة أشخاص وذكرت لهم قصتي، فأخبروني أني لست أول شخص يتوقف لديهم بسبب شعوره بالخوف والرهبة، بل في بعض الأحيان يأتي إليهم أكثر من خمسة أشخاص ومعهم سلاح ويطلبون الاستئناس معهم مثلي حتى الصباح. بعد الافطار وخروج الشمس استعدت ثقتي بنفسي وأكملت طريقي ووصلت إلى مدينة حقل على البحر الأحمر قرب الحدود الأردنية في السابعة صباحا، وسرعان ما نسيت العفاريت وشغلت أغنية لعبد الله الرويشد "على ايش نتفاهم وحبل المودة بيننا مقطوع" .

ومن مدينة حقل الصغيرة التي تقع على في شمال البحر الأحمر يستطيع الشخص أن يرى مصر والاردن واسرائيل وهو واقف في نقطة واحدة، فتوجهت منها شطر مدينة العقبة في الأردن وفي الجمارك الأردنية البدائية فتشني كهل أردني يلبس بدلة وعليها شماغ وعقال وطلب مني في العودة أن أحضر له هدية عبارة عن جزمة مقاس 43، صدقوني هذا ما طلب، ويا ليتني وفيت بوعدي له لأني حسيت أنه رجل طيب ويستحق والله التقدير، فهو كبير في السن ويظهر أنه قد عانى كثيرا من شظف العيش. وفي ميناء العقبة التي تنطلق منها البواخر والعبارات نحو مصر كان موعد أول باخرة ستبحر نحو ميناء نويبع في صحراء سيناء عند الساعة الثالثة عصرا، فاستقليتها بعد أن دفعت 1000 ريال فقط رسوم السيارة والتذكرة وكان اسم الباخرة "حقوق الإنسان". عندما ركبت الباخرة كان قد مر علي يومان لم أنم سوى ساعات بسيطة لا تتعدى الخمس ساعات، فأدخلت سيارتي في قعر السفينة وتوجهت للأماكن المخصصة لركاب الدرجة الأولى وأخذت جولة سريعة في عبارة حقوق الإنسان التي يعود تاريخ صناعتها للستينات الميلادية واتجهت للطابق العلوي ودخلت عن طريق سلم قصي يؤدي لسطح آخر فوق دكة العبارة، فرأيت باب يشبه زنزانة السجن تماما وعليه سلسلة عظيمة كالتي تربط بها أرجل الأفيال وقفل في مقاس شنطة مدرسية متوسطة الحجم وخلف الأسوار ينتشر عمال صعايده مسحوقين ومتناثرين فوق سطح السفينة وكأنهم يقضون فترة عقوبة مع الأشغال الشاقة. كان الهدف من سجنهم في الأعلى هو عزلهم عن بقية المسافرين وكأنهم ليسوا بشرا مثلنا، وهذا دليل بأن جنوح السفن والعبارات التي تنقل البشر من وإلى مصر وآخرتها عبارة السلام هو بسبب جشع أصحاب تلك البواخر وعدم وجود من يدافع عن هؤلاء البسطاء المسحوقين.

نمت في الباخرة من الساعة الرابعة عصراً حتى الثانية عشر ليلا، وعندما وصلنا جمارك نويبع تعرفت على شخص من قطر اسمه عبد الهادي ويعمل كاتب عدل في محكمة الدوحة ولديه سيارة موستنج سوداء واتفقنا أن نكمل المشوار سويا، وطالت اجراءات الجمارك والتفتيش والبخشيش الذي لا ينقطع حتى أذان الفجر، كل شيء عليه جمارك، نوعية الاستيريو الفخمة، نوعية جنوط السيارة، فتحة السقف، ما باقي إلا شراريبي ياخذون عليها جمارك، حتى شكيت والله إنهم كميرا خفية، وكله من غير أوراق أو وصولات، إدفع تنجو، تلكأ في الدفع تنام في الجمرك، بعدها انظلقنا وسط صحراء سيناء باتجاه القاهرة دون عفاريت هذه المرة برحلة طولها نحو 500 كلم. في الطريق إلى القاهرة تغيرت المعالم كثيراً، ففي الأمس كنت أرى سيارت الجمس المتروس حريم وبزران وسيارات الكابريس والجيب والليموزين السعودي، وهأنا بعد يوم واحد فقط أتجاوز السيارات من نوع فيات ونصر وتكسي البيجو الأسود والأبيض المصري الشهير والكتابات الجميلة عليه، صلى على النبي، يا ناس يا شر كفاية قر، أبو محمود وسارة، يا تعدي يا تهدي، آكلك منين يا بطة، وناس رايقة وتحب الحياة مش مثلنا رسميين لو تنظر عند الإشارة لأي واحد تراه متجهم وجاحظ العينين وكأنه في طريقه لمستشفى الأمراض العقلية. كنت أعلق المنبه لهم وأحييهم "صباح الورد يا قدعان" وهم يحيوني بفرح ويقولون "نورت مصر يابيه، يا أمير"، فالمصريين أكثر أهل الأرض "عشرية" بل أن مصر هي البلد الوحيد في العالم الذي لا تحتاج أن يرافقك إليها صديق. إذهب إلى أي قهوة شعبية إن كنت وحيدا واسحب بكل ثقة كرسيا وسطها وأسأل أقرب شخص بجانبك، "كم الساعة يا أفندم" واعلم رحمك الله، أن المصري لن يعطيك الجواب بسرعة أو ببساطة كما تتوقع، بل سوف يقول لك "عايزها كم يا أفندم، منور والله مصر، حضرتك من فين" ثم يدخل معك بحوار طويل في السياسة والكورة والاقتصاد والحج وقبر النبي (ص)، طبعا غني عن القول بان المصري موسوعة بكل شيء، خخخخخ ، وبعدين يعزمك على الشاي"واللب والسداني" "فصفص وفول سوداني" واليوم الثاني ممكن يعزمك على بط ووز واليوم الثالث يزعل لو ما مريت عليه أو سألت عن أحوال خالته إلي أخبرك أنها عيانة وكأنك نسيت العشرة إلي بنكم، وعلى النقيض من لندن ومن الانجليز، فلو سألت رجلا انجليزيا عن الساعة، فسوف تسمع إجابة مقتضبة وكأنها رصاصة إنطلقت من فمه ولن يكرر لك الجواب إن لم تسمعه وسوف يختفي من حياتك وسط الزحام ولن تراه مرة أخرى ما حييت أبدا. ومن الأشياء الجميلة التي رأيتها في سيناء هي آثار حرب 73 التي قادها السادات رحمه الله بحنكته ودهائه، فتجد مئات الدبابات الإسرائلية محطمة ومحترقة وصدئة بفعل الزمن، والجميل بأن أغلب فوهاتها متجهة نحو الشمال الشرقي، أي أنها كانت في حالة إنسحاب إلى اسرائيل، مما يرد بعض الثقة للعربي المعاصر بأن خير جند الله في الأرض متى ما توفرت لهم الظروف المناسبة والقيادة الصادقة، فلن تجد أشجع ولا أدهى منهم في الحروب.

وصلنا مع شروق الشمس للقاهرة واتجهت أنا وعبد الهادي لفندق ماريوت وحصلنا على غرفة تطل على حديقة الشاي والمسبح ب 55 دولار فقط، يعني كل واحد يدفع حوالي 27 دولار، لذلك شاركت بشهر كامل هو مدة وجود عبد الهادي من قطر بالرغم من وجود سكن لي في الدورم (سكن طلاب الجامعة الأمريكية في القاهرة).

في اليوم التالي اتجهت لسكن الجامعة الذي يقع في نهاية شارع شجرة الدر في حي المهندسين الحي الذي كان يعد في أربعينات القرن الماضي من أحياء القاهرة الراقية، وأشهر شوارعه شارع جامعة الدول العربية وشارع أحمد عرابي و شارع 26 يوليو، ووجدت جميع رفاقي قد وصلوا بالسلامة على الخطوط المصرية وحكيت لهم ما حصل لي من أهوال في الطريق بين حائل وتبوك وحقل، وأخبرني أحدهم بأنه سيعود معي في نهاية الدورة ولن يدعني أغامر في العودة لوحدي. كان سكن الطلاب جميل بناه كما توضح لوحة الشرف المعلقة في مدخله كل من القصيبي والجريسي وأحمد عبد اللطيف جميل، وهو مكون من جناحين، جناح للطلاب وجناح للطالبات وفي الطابق الأرضي، في أقصى البهو يوجد مطعم جميل خاص بالطلاب المقيمين القادمين من أنحاء العالم.

في البداية "كش" منا جميع الطلاب والطالبات لأنهم لم يستسيغوا هؤلاء الغزاة الجدد الأعراب الأقحاح أحفاد عدنان ومعد وقضاعة وطي ومضر الذين يختلفون عنهم في المظهر والسن والملبس، خاصة أننا احتلينا ركنا مميزا في البهو وقلبناه إلى سوق عكاظ نتباهى فيه بمفاخرنا فتتعالى أصواتنا المتشنجة أثناء أي حديث مهما كان تافها حتى لو أردنا شراء سندوتش فلافل بدون شطة نحدث جلبة وازعاج ونعيق فيسمعنا آخر طالب تعيس الحظ في البهو أكثر مما يسمع للشخص الذي يجلس معاه في نفس الطاولة والذي قد يكون يتحدث معه عن تكنولوجيا النانو. وجل مواضيعنا التي نناقشها مستهلكة وبيزنطية الطابع مثل مواضيع سياقة المرأة وأننا أفضل بشر في العالم وشعب الله المختار وغيرنا يخشى عليه من عذاب النار. لكن بعد مدة تمكن "بعض الخارجين عن الجماعة" وعددهم أربع وأنا كبيرهم بالطبع من كسر الحاجز النفسي الوهمي وتعرفنا على شيرل كندية مسلمة، وسمر سورية، وهيفاء وهبة لبنانيتان شقيقتان، وتبثا سامنثا أمريكية، وسهيل ودانيال سعوديان رغم أن اسم دانيال غير عربي فهما سعوديان من جدة.

كسرنا الحاجز النفسي وسحبنا على الركن السعودي الممل الفوضوي وانضممنا لاصدقئنا الجدد وأصبحنا نذهب للجامعة سويا ونعود فنقضي أجمل الأوقات في ركوب الخيل في صحراء الهرم أواستئجار البواخر النيليلة والسهر في الأماكن الراقية مثل ورلدز ويندو، وهو مطعم راقي في أعلى هلتون رمسيس أو في ماريوت والفنادق الأخرى الراقية. مع مرور الأيام بدأت أميل لهبة اللبناية وجذبني إليها بالاضافة لجمالها ذوقها الرفيع ورزانتها وكذلك ثقافتها العالية. لكني لم أظهر لها شيئا من ذلك بل عزمت أن أحول إعجابي بها إلى نوع من "التلذذ بالحرمان ،،،،، لن أكمل هنا".!!!!..

لذلك قمت بعمل اتفاق مع صاحب محل للورود في بداية شارع شجرة الدر المتفرع من شارع 26 يوليو وقريب من السكن باحضار باقة ورد كل يوم الساعة الثالثة ظهرا ويضعها في الاستقبال باسمها، فكان يرسلها مع "الصبي بلية" على دراجته الرشيقة، وللطرافة كان أحد زملائنا الطيبين والمتبسطين في حياتهم اليومية وهو من الناس الذين أعتز بصدقاتهم، كان قد اتفق مع صاحب محل فراخ بجانب محل الورد بأن يحضر فرختين عليهم القيمة يوميا لعمل كبسة محترمة يوزعها على بعض الشباب من نفس المجموعة. لم يكن الطبخ مسموح به في السكن لأسباب تتعلق بالسلامة ولوجود مطعم في الطابق الأول ولكن حبيبنا أبو عبد الله حصل على استثناء من الظابط برتبة عميد المسؤول عن أمن السكن لطبخ وجبة عشاء فرختين يوميا مع رز المهيدب طويل الحبة على شرط أن يحصل الضابط على صدر أو فخذ فرخة بالرز المعمر يوميا. "الصبي بلية" أصبح يأتي كل يوم بفرختين وبوكيه ورد، يضع على يمين المقود الورد وعلى يساره الفراخ وهو يفرق بينمها في الدريكسو حتى لا تختلط رائحة الورود بزفر الفراخ والله أعلم، فيسلم الفرختين لحراس الأمن لتتجه لأبي عبد الله مباشرة فيشرع بعملية الطبخ بمزاج عالي، بينما يتجه بوكيه الورد إلى الغرفة رقم 242 في قسم البنات. كنت أؤوكد على صاحب محل الورد دوما بأن لا يفشي السر وقد حافظ عليه تماما مع الإكرامية المتواصلة بطبيعة الحال. كنت أصرف كالعادة كل ما لدي من أموال في مقابل أن أتمتع بمباهج الحياة دون زلل لأقصى حد، وبالرغم من أن كل واحد منا كان يستلم في تلك الأيام مبلغ يصل نحو 18 ألف ريال سعودي بالإضافة إلى مبلغ 30 دولار كمصروف جيب يومي وسكن مجاني، إلا أني بسبب تلك التصرفات أصبت بالفلس قبل يومين من نهاية الشهر فإتجهت إلى صديقي العزيزي الذي يسكن معي بالغرفة واسمه سامر، وطلبت منه ألف جنيه ليومين فقط حتى تأتي المهية آخر الشهر، فرد علي يا عمي مجنون أعطيك، إحنا نقول فرصتنا في هذا الكورس بنطلع بأربعين أو خمسين ألف ريال وأنت تفلس من أول شهر، روح يا حبيبي انتبه لفولسك، قلت له لا تعطيني فلوس بس يرضيك ينقطع بوكيه الورد عن هبة، فقفز من مكانه وقال أفا عليك وأنا أخو حصة، والله ما ينقطع الورد عن هبة لين ينقطع نهر النيل، قوم معاي البنك وصرف لي ثلاثة آلاف جنيه وقال لا تنس تختار ورد زين لبكرة والله الله باللون الأحمر، كثر منه، خخخخخخخخ.

كانت البنت اللبنانية تفتخر بالمعجب الخفي أمام جميع البنات وأمامنا نحن الشباب ويبدو أنها لم تدرك أني أنا العاشق الهيمان إلي يستاهل قرص الوذان. ومن غيرة البنات منها قامت بعضهن باهداء انفسهن وردا وادعين أنه من عاشق آخر هيمان وخفي وكمان في حبهم غلبان، فتقاولن مع صاحب الورد حتى امتلاء الرسبشن بالورود فحسب بعض المارة في الشارع أن السكن تحول إلى محل لبيع الورود فقصده العرسان يبحثون عن كوشات وزينات، وزوار المرضى عن بعض الوريدات، ولكن حبل الكذب قصير ولم يمتد سوى اسبوع أو اسبوعين والصبورة من امتد بها الحال لشهر من الخيال، خخخخخ .

كان من ضمن الأشخاص الذين تعرفنا عليهم شاب سوري يدعى باسل وهو ولد معجباني ترعرع وتقرع شعر رأسه في مدينة الخبر، وسيم وجسمه رياضي ويحلق شعره على الصفر يوميا ويدعوه المصريون ب"زلبطة" يعني قرعة بلغتنا. وفي أحد الأيام كنا نتسامر وهبة تضع بوكيه الورد بكل فخر بحظنها ولكنها لما قامت سلمته إلى باسل وقالت خذ هذه الباقة لك فقد امتلئت غرفتي بالورود وأخذها باسل وتوجه بها لغرفته وعاد عندما أوشك وقت العشاء وبدأنا نحضر الطعام اللذيذ من المطعم في الطابق الأرضي. لم يرق لي ما فعلته هبة فقررت أن أقوم بمغامرة مجنونة فتسللت دون أن يشعر بي أحد وكأني ذاهب إلى دورة المياه، وهذه الطريقة استوحيتها كذلك من قصة شورلك هولمز المشوقة "مغامرة إكليل العقيق" التي يقوم خلالها القاتل بالتسلل من طاولة الطعام فيقتل الضحية ويعود لإكمال العشاء وكأنه ذهب لدورة المياه ليكون الجميع شهودا بأن القاتل كان معهم أثناء وقوع الجريمة، ذهبت وكان يفصل بين السكن الخاص بالشباب عن سكن البنات ساحة تتوسطها نافورة جميلة، نظرت فوجدت معظم الشبابيك مفتوحة في الجهتين ومن ضمنها شباك باسل وشباك هبة، فقررت تنفيذ الخطة التي طرأت لي وأقتربت من مواصير تصريف المياه وتسلقتها بخفة ودخلت غرفة باسل ووجدت البوكية فحملته ورأيت بيانو جميل في غرفته ثم وجدت ورقة وقلم فأخذت الورقة وكتبت الجملة التالية "لو أخذت الورد ثاني مرة كسرت البيانو فوق رأسك يا زلبطة، التوقيع زنهم أبودراع، فتوة الحسين "خخخخخخ، وربطت الورد في حزام بنطلوني ونزلت بسرعة بعد أن أخذت في جيبي ورقة أخرى وقلم زلبطة لأكتب رسالة أخرى لهبة واتجهت للجهة المقابلة وتسلقت إلى غرفتها ووضعت الورد على سريرها وكتب "أهديتك أجمل الورود ونسجت لك في قلبي أعذب الشعر، فاحفظي الورد كي أحفظ لكي في قلبي أجمل الأشعار، المتيم نديم الهوى". وعدت سريعا بعد أن نفضت ملابس من أي أثر للجريمة وأكملت العشاء معهم، وعندما عادت هبة لغرفتها رجعت وهي فرحة وخائفة في نفس الوقت تحمل بوكيه الورد والورقة المكتوبة عليها، فقام باسل مسرعا واتجه نحو غرفته وأحضر الورقة الأخرى التي كتبتها له وقرأها علينا جميعا، فاستغليت فرصة شعورهم بالشك والريبة والغموض الذي بدأ يتلبسهم عن سر هذا الشخص الخفي فقلت يا جماعة الخير أجزم أن لدينا جان هنا في السكن وأخبرتهم بالقصة التي حصلت لي في الطريق بين تبوك وحائل، وقلت لهم أني أشك أن الجان قد لحق بي أو أنه قد ركب في المقعد الخلفي معي بالسيارة وبدأ يلعب معنا ويتسلى بحكاية الورد، لكن تطمنوا، يبدو أنه عفريت رومانسي، وإلا حرام العفريت يحب يعني . عندما سمعت هبة ما أقول سقطت على المقعد شبه مغشي عليها وأتت بنت سمراء أخرى من جنوب أفريقيا فسالت ما بها وترجم لها باسل ما حصل وحدثها عن شكنا بالجن فسقطت كذلك مغشيا عليها وقمنا بمساعدتهما وأتى الطبيب بسرعة تسبقه كرشة العظيمة وكشف عليهما وقال أن كل نتائج الفحوصات سليمة ولكنهما تحتاجان لبعض الراحة. في الواقع لم يكن مغمى عليهم ولكنه دلع بنات مع شيء من الرهبة، وعدت المسألة على خير وبصراحة بغيت أعترف على نفسي لما حصل الموقف هذا بس انتظرت ولما تأكدت أن الجميع بخير بلعت العافية وسكت.

إلى هذا اليوم لم تكتشف هبة أني أنا الذي كنت أرسل لها الورد كل يوم، ولم أخبرها بدوري بشيء، ولم يكن يعرف سر الورد سوى صديقي سامر، لكن هبة بالتأكيد شكت في كثيرا، وقد تكون تأكدت من ذلك عندما سافرنا وانقطع عنها الورد، كما انقطعت الفراخ ورز المهيدب طويل الحبة عن السكن.

طولت عليكم، بتقولون بس وين بريصة اليوم، وأطمنكم إنه بخير وقد أخذ إجازة بسبب طول حلقة اليوم وسيعود لكم في الحلقة القادمة إن شاء الله



يتبع

مشاري بن نملان الحبابي 18-04-2010 12:56 AM

رد : مـــــــــــــــــذكراتــــي اللــــــــــــــندنــــــــية
 
زين أنه ما سقط قلبك ..

نحن في انتظار لقائك ببريصة ..

وفي انتظار قصة عودتك مع نفس الطريق الموحش ..

وهل واجهك من الرعب مثل ما واجهك سابقًا ..

مشاري بن نملان الحبابي 24-04-2010 07:06 PM

رد : مـــــــــــــــــذكراتــــي اللــــــــــــــندنــــــــية
 
ما زلنا في انتظارك يا أخ نديم ..

نديم الهوى 26-04-2010 01:16 PM

رد : مـــــــــــــــــذكراتــــي اللــــــــــــــندنــــــــية
 
رسالة إلى الإخوة في الإدارة

يصلني تنبيه في بريد الخاص بوجود أكثر من رسالة،، وعند طلب فتحها لا أستطيع لأن مشاركاتي يجب أن تكون 50 مشاركة على الأقل،،،أرجو حل هذه المشكلة إذا تكرمتم

شكرا

أخي بن نملان شكراً على المتابعة المستمرة ولك الحلقة الحادية عشر



الحلقة الحادية عشر


زرت معظم دول العالم وتزلجت فوق جبال الألب وركبت الأفيال ونمت في معابد الهندوس في الهند وسكنت في أجمل المنازل المترفة في بيفرلي هيلز وسانتا مونكا، عشت أياما عيشة الملوك وأيام أخرى أطول عيشة الصعاليك، تناولت ألذ أنواع الطعام في أرقى المطاعم، وأردئها من عربات مكشوفة في دليهي بجوار الجامع الكبير "مسجد جهان ناما"، لكن قلبي تعلق بام الدنيا منذ أول مرة زرتها فيها ففضلتها على دنيا رب العالمين. أحببت أزقتها القديمة وشعبها البسيط الطيب وبازراتها ومطاعمها الشعبية والحمام المحشي بالفريك والملوخية والفول والطعمية على ما تقدمه مطاعم لو تراين بلو الفرنسية ومطاعم النايتس برج ومطعم سينيور ساسي. وقد كنت محظوظا عندما تعرفت أثناء الدراسة في الجامعة الأمريكية في القاهرة على "تبثا سمنثا" البنت الأمريكية الكلاس والمتخصصة بالدراسات الشرقية والتي تتقن اللغة العربية كأنها من نسل"يعرب بن قحطان"، وتحب القاهرة كلها على بعضها بحلوها ومرها، وتحب كذلك المشي على الأقدام طوال الليل والنهار لا تتوقف كأنها تكسي الجيزة أو خط البلدة في الرياض. فكنا نمضي أكثر أوقاتنا مشياً وسط الأحياء الشعبية والأزقة الضيقة والمنازل المتلاصقة والحوانيت المتداخلة ببعضها والتي تتميز بكثافة سكانية عالية، وأشكال الناس فيها غريبة عجيبة جدا، فلباسهم عتيق ومتسخ وشعورهم مقروضة قرضا وليس لها ستايل معين، نظراتهم غائرة ونظاراتهم بائرة، إما يكون الشخص فيهم ضخم كأنها ماموث أو صعلوك لدرجة تحسبه أنه يد الشخص الضخم الذي بجانبه، فالدخول لهذه المنطقة كركوب ساعة الزمن التي تأخذك لمئات السنين الغابرة.

لكن كل تلك المثالب كانت هي سر سحر وجاذبية القاهرة لنا، فكنا نقوم باستمرار بالتجول فيها ابتداءً من الساعة الحادية عشر صباحاً من حي الحسين وذلك بعدأن نتانول وجبة الغداء في أحد المطاعم الشعبية والتي يشتهر كل مطعم فيها باجادة نوع معين من الطعام لا يمكن أن تجد مثيله في أي مطعم آخر. فمثلا مطعم الحاتي في الحسين "الكبابجي يسمى الحاتي في مصر" رهيب جدا في عمل الحمام المحشي بالفريك والكباب والكفته، ولن تجد كبابا مثل كباب الحاتي لو أفنيت عمرك كله تلف العالم من أقصها لأقصاه، مستحيل. أو نتناول الرز باللبن في مطعم المالكي، أما الطعمية والفول والمسقعة فألذها التي يعملها مطعم الجحش، خخخخخخ، هذا اسمه والله،وعندما يصل الأمر لطبق الكشري المصري الأصيل فألذه الذي يعده مطعم العمده، بينما يتميز مطعم الشبراوي بأنه أفضل مطعم شعبي يعمل السندوتشات الغنية بالمخللات والشطة الحراقة. كنا كل يوم نجرب أحد تلك المطاعم الشعبية، ثم نذهب فنتربع على مصطبات قهوة الفيشاوي العتيقة في حي الحسين والتي تجاوز عمرها المئة عام فنشرب الشاي الثقيل أو السحلب والعرق سوس أو الزنجبيل أو اليانسون، ونأرجل المعسل العجمي ذي العبق السلطاني والرائحة الزكية، وعندما يروق"دماغ تبثا" ويعتدل مزاجها من المعسل العجمي يحلو لها أن تستعرض ثقافتها عن المقهى فتحكي لي كيف كان يجلس في هذا المكان قبل أكثر من ستين سنة الفنان محمد عبد الوهاب وهو يغني بانشراح وتهادي للسهارى )أمانة عليك ياليل طول.. وهات العمر من الأول)، وتواصل بشوق كيف كان الناس يتحلقون حوله أو حول الكتاب والأدباء والقصاصين الذين تعج بهم القهوة وخاصة في ليالي رمضان المبارك ليستمعوا بشغف منقطع النظير لسيرة أبو زيد الهلالي أوالزير سالم أو عنتر بن شداد وعشيقته عبله أو لقصة تغريبة بني هلال. وبعد هذا الفاصل الزمني، نكمل رحلتنا إلى حي خان الخليلي الملاصق لحي الحسين فنتجول حول مبانية التاريخية والتي تعود لعصر المماليك، أي أنها بنيت قبل 600 سنة، ويتميز الحي بتزاحم بازاراته التي تبيع الحلي والنحاسيات والاكسسوارات والفرعونيات. ثم نعرج بعد ذلك على الأماكن التاريخية الأخرى مثل شارع ما بين القصرين وقهوة الحرافيش التي أستوحى منها الكاتب الكبير نجيب محفوظ معظم قصصه الواقعية ومسلسلاته وأفلامه، وبعدها نكمل السير في القاهرة القديمة فنتجول وسط حارة اليهود والقاهرة الإسلامية والقاهرة القبطية والقاهرة الفاطمية ومسجد عمر بن العاص وقلعة صلاح الدين وحي السيدة زينب، ثم ننهي عادة جوالتنا نحو النقطة التي بدأنا منها في حي الحسين فنقوم بتناول وجبة العشاء عند الساعة الواحدة ليلاً.

في أحد الليالي زرنا منطقة المقابر التي تقع في القاهرة القديمة أسفل قلعة صلاح الدين، وتجولنا وسط القبور والأظرحة ونحن نشعر برهبة شديدة تزيدها ظلمة الليل وعواء الكلاب والقطط من كل مكان، وكنا نستغرب من "أطفال المقابر" الذين يلهون وسطها ويلعبون "الاستغماية، هايد آند سيك" دون وجل أو شيء من الخوف، كما كان الكثير من النساء يقمن بكل أريحية بنشر الغسيل فوق حبل مربوطة بشدة بين الأظرحة.

تعرفنا خلال التجوال وسط المقابر على عائلة تتسامر أمام "بيتها" فدعونا لشرب الشاي لديهم ورؤية المقابر التي تقع داخل فناء منزلهم، فوجدنا من ينام منهم وهو يسند رأسه على طوبة القبر لينام هنيئا في "الطراوة"، بل أن ابنهم الكبير كشف لنا عن قبو داخل فناء المنزل كان يستخدم كقبر لأحد قواد المماليك وأخبرنا أن الجثة قد ازيلت منذ زمن بعيد وأنه ينام داخل القبر في بعض الأحيان وخاصة في الشتاء عندما تشتد برودة الجو.

وفي أحد الأيام الربيعية المعتدلة الجو قررنا ركوب الحنطور فأستأجرناه من قبالة فندق ماريوت وطلبنا من "العربجي" جولة لمدة ساعة حول أزقة القاهرة واتفقنا أن نعطيه 60 جنيها أجرة عن الرحلة، وفعلا بدأنا في التنزه بجوار نهر النيل لنتمتع بمناظره الخلابة والتي تمخر به البواخر السياحية وتصدح منها الموسيقى الراقصة والصاخبة، وآلاف البشر يمشون حول كورنيش النيل تراهم يهيمون في كل ركن وكل زاوية وفي البلكونات وفي الساحات، في كل مكان مئات البشر، كثافة سكانية لا حصر لها، وعادة لا تخلو يد المصري من طعام يأكله أو كوباية شاي تعدل مزاجه، فتراه يأكل سندوتش فلافل أو باذنجان بالطرشي أو حتى خبز حاف أو كوز ذره أو يقزقز لب أو يشرب كازوزه، وإذا غلبت الروم وجدته يشعل سيجارة، وشعب لا يتوقف عن أسباب الحياة أبدا، فقلدناهم واشترينا بليلة من أحد الأكشاك ثم واصلنا الطريق نحو كوبري 26 يوليه وكنا نسير عكس اتجاه السير. وددت في البداية تحذير "العربجي" (العربجي كلمة تركية يعني سائق عربة، عربة جي، وفي السعودية عربجي يعني متخلف) بعدم عكس خط السير ولكني تركته لشأنه ففي القاهرة كل شيء ماشي بالبركة، لكن فجأة ظهر لنا شاويش مختبئ خلف جدار وسط الظلام وقام بتوبيخ "العربجي" وقال له لازم تدفع 100 جنيه غرامة السياقة في الاتجاه المعاكس للسير، ولم أتدخل طوال الوقت بينهم، إلا أن الشاويش التفت إلي في النهاية وقال لي "يرضيك برضه كدا يا بركة " قلت والله ما يرضيني، خذ يا عم 50 جنيه وسامح الراقل الغلبان أصله ما يقصدش، وناولته الفلوس وكملنا المشوار ورحنا شربنا عصير منقة وفخفخينا عند فرغلي في شارع جامعة الدول العربية.

وفي اليوم التالي اتجهنا شرقا في رحلتنا على الأقدام لاكتشاف مدينة القاهرة، فسرنا باتجاه شارع الدول العربية وتناولنا طعام العشاء في مطعم أبو شقرا، وهو من أنظف والذ المطاعم في المشويات في مصر، ثم قفلنا عائدين نحو السكن وكنا نسير بمحاذات مسجد مصطفى محمود والذي يوجد بالقرب منه حراسة أمنية مشددة لوزير مصري سابق، فاستوقفنا جندي جاهل وأحمق يبدو أنه قد خرج بالأمس فقط من الترعة وقال "حضرة الصون عاوزكم"، رديت بكل ثقة مين حضرة الصون يا عمي، إذا الصون عاوزنا يجي هو عندنا، فما كان من الجاهل ابن الأحمق إلا أن رفع الرشاش في وجهي دون مقدمات وقال "الي يقوله حضرة الصون هو الي يمشي قدامي يا غجر"، فأدركت أنني مقدم على مصيبة لا محالة فسلمت أمري لله وتوجهنا للصون الأجهل من جهل الجاهلين، وبدأ لي منذ البداية من سحنة وجه حضرته اللاحم وبريهته العسكرية التي تغطي اذنيه وشنبه المنفوش كأنه برادة حديد جذبها مغناطيس، بأن عقله مقفول بالضبة والمفتاح. بادرني حضرة الصون بالسؤال مباشرة مين دي الي معاك وتعملوا ايه هنا، رديت يا محترم انت إنك عسكري حماية لشخصية مهمة زي ماهو واضح، لكن مش شغلتك تصيد الزباين من الشارع بسنارة وتحقق معاهم، بعدين هذي أمريكية ياعمي بلاش فضايح. أخونا بالله لما سمع انها أمريكية فكر انها ما تعرف عربي ودخل معاي بكلام ساقط عنها وقالي اسئلها كدا "بالامريكاني" وشوف جوابها ايه على الكلام إلي قلته لك!!!، رديت عليه وقلت عيب عليك يا حضرة الصون هذي برضه انسانة محترمة وعندها مباديء ودين وأخلاق إنت فاكر الدعوة سايبة وإلا أيه، رد وقال لي "دي عندها دين!!!! دينها ايه؟"، رديت قلت مسيحية، قام فحرك سبابته مثل مساحة سيارة، يمين شمال وهو يشير نافيا وقال بكل جدية "الأمريكان مش مسيحين، قلت أمال إيه يا حضرة الصون، قال الأمريكان دينهم كفار!!!" (يفكر كلمة كفار ديانة مستقلة خخخخخخ)"، عند هذه النقطة فهمت مدى المصيبة التي وقعنا فيها وأدركت إنه ما فيه غير طريقة واحدة للتفاهم مع هذا العبيط وهي النصب على إلي خلفوه، فقلت كلامك عين العقل يا حضرة الصون، بس لو تعرف جنابك إن "الآنسة فتاكات بنت وزير الداخلية حسن بيه الألفي"، ربنا يقازيها ألف خير كل يوم تديها دروس خصوصية عن الإسلام، أمال يا راجل، مهي صاحبتها الروح بالروح وتدعيلها كل يوم بعد كل فرض صلاة بالهداية، عندها هبط شنب الصون الجاهل وكأن المغناطيس أعطاه سالب هذه المرة وبلع ريقه وقال "يارب ينجح مقاصدها وتسلم على ايديها، أصلو باين ع البنت إنها أمريكانية طيبة قوي قوي قوي يا ولد أبوي، ما تشربوا الشاي معانا يا قماعة؟؟، الشاي ع النار!!!". رديت بسعادة يجعله عامر يا فندم، أنا لازم أروح دي الوقت تلاقي الحجة أم فتكات زمانها بدور علينا، وأنتهت المشكلة وتخلصنا من الصون الجاهل وشتمناه لما غادرنا المكان إلى أن طلع الصباح.

في يوم لاحق أشترينا وجبة كباب من الحاتي في الحسين وركبنا أحد الزوراق النيلية وكان الجو جميل منعش فطلبت من سائق الزورق أن نركب في أعلى الزورق فوق قمرة القيادة في مقدمة الزورق لنتناول وجبة الغداء حيث يمكننا أن نتمتع بمنظر جريان مياه النيل وأشجار البردى على جانبي النيل، فوافق بسعادة وجلسنا وفتحنا الكباب الحار والطرشي والسلطات والطحينية وعلب البيبسي وبدأنا في تناول الطعام بشهية عارمة. فجأة سمعنا بعض من جنود حرس المسطحات المائية يخاطبونا بالميكروفون من زورقهم وباسلوب شوارعجي "أنت يا الي هناك، إنزل يا وله (يا ولد) منك ليها ممنوع تقعد فوق، انزل يا وله، انزلي يا بت"، فقلت سننزل إلى وسط الزورق بدلا من نعيق هذا الجاهل الآخر، فرد علي صاحب الزورق "خليك مكانك، دا القندي داه لو هوب ناحيتك دنا حا أديله بالقزمة على قفاه، ما تعبروش، دنا المعلم حوشة يا راقل" إنت أصلك معذور ما تعرفش مين هو الريس حوشة سبع النيل!!!!، قلت أكيد تقدر تتفاهم معاه يا معلم حوشة، قال عيب عليك، أمال هو حد يقدر يتجرأ يقول ثلت التلاته كم للمعلم حوشة، بعدين ما تخدش بي بالك، دا عسكري غلبان، فأكملنا تناولنا الطعام ونحن فوق قمرة القيادة دون أي اعتبار للعسكري الغلبان، بيد أن العسكري لم يعجبه ذلك فلحق بنا فنبهت المعلم حوشة وقلت يا عم أهو العسكري جاي، جهز بقا جزمتك عشان أول ما يوصل تديله على قفاه. ولما اقترب الجندي المزعج من زورقنا وتحققت من رتبته التي تسطع على كتفيه وإذا هو برتبة عقيد بحري يا للهول"أو يا لهوتي"!!!، فأخبرت صاحب الزورق " العسكري طلع عقيد يا حبيبي، حتمل ايه معاه دا الوقت" اصفر وجه صاحب الزورق واحمر ولما وصل له العقيد وغسل شراعة وسأله لماذا لم لم يستجيب للنداءات المتكررة، رد عليه المعلم "حوشة سبع النيل" بانكسار وتذلل وقال "أبوس معــــــالـــــي جــزمتــك تسامحني يا بيه دنا غلبان" خخخخخخخخخ، معالي جزمتك حته واحدة يا معلم حوشة يا جبان، وين يا عمي سبع النيل الي بيديله بالجزمة على قفاه، والله حلوة منك يا ريس حوشة، وماشي يا بركة،،،،،ذكرتي والله بالعسكري بركة ، خلونا نرجع للبركة مرة ثانية.

اشتقنا لركوب الحنطور مرة أخرى فركبنا مع نفس الشخص من عند فندق ماريوت وذلك بعد مدة اسبوعين من المرة الأولى، ويبدو أن العربجي لم يتعرف علينا، فبعد أن سار بنا نحو برج القاهرة ومايسبيرو "برج التلفزيون" اتجه مرة أخرى نحو كوبري 26 يوليه وبالاتجاه المعاكس مرة أخرى، فنبهتني "تبثا" بأنه سوف يكرر نفس الخطأ ومن الأفضل تحذيره، لكني قلت لها لا، لا، لن نحذره خلينا نشوف آخرتها، وفعلا لم يخطيء حدسي فبعد مدة وأثناء السير عكس الاتجاه فوق كوبري 26 يوليه ظهر الشاويش النصاب المختبئ من نفس المكان وبدأ بمسرحية توبيخ العربجي وطلب منه غرامة 100 جنية، ثم استدار نحوي وقال بصوت يستدعي الشفقة "يرضيك برضه كدا يا بركة ؟". ضحكنا لما كشفنا سر عملية النصب التي اتفق عليها صاحب الحنطور والشاويش الغلبان، وقلنا لهم، لا المرة هذي سامحونا انتم، العرض المسرحي مجاني، حنا زباينكم خلاص، ما يصير تاخذون منا فلوس، فركش يا حبيبي منك له،،،خخخخخ .

وبعيدا عن تبثا سامنثا، سأختصر في النهاية كيف استطعت أن أصل إلى بريصة الأصفهاني بعد أن دوختكم باللفة الطويلة على القاهرة وأيامها الحلوة، فأصل الحكاية يعود لزميلنا العزيز سهيل من مدينة جدة والذي كان يدرس في المرحلة النهائية في الجامعة الأمريكية ويتقلد منصب رئيس نادي الطلبة السعوديين في مصر، ورغب في المشاركة في الحفل السنوي الذي يقيمه الطلاب في الجامعة الأمريكية للتعريف ببلدانهم تحت مسمى "اليوم العالمي". كان يتوفر لدى سهيل ميزانية 6 آلاف جنيه مصري فقط كميزانية للاشتراك في "اليوم العالمي"، وكان يحتاج أكثر من عشرة آلاف جنيه أخرى للحصول على مجسمات ونماذج تمثل البيئة السعودية يعملها عمال مصريون وعلى شراء ملابس سعودية صناعة صينية، وشماغ وطني سعودي صناعة انجليزية ودواليب عتيقة مزينة بمرايات ومعشقة بالدبابيس لحفظ وتطبيق الملابس وسجادات الصلاة صناعه هندية، وزير ماء ووجار للجمر ومهفات صناعة سورية وابريق الشاي القديم الملون بمثلثات متداخلة حمراء أو خضراء يستخدمها عادة أهل البادية وهي صناعة بلغارية. كما تقاول سهيل مع مطعم مصري لعمل "كبسة بخارية" لتوزيعها في اليوم السعودي على الزوار على أنها طبخة سعوديةّ!!!!. وكان عمنا سهيل يحاول أن يجمع المبلغ من أي كان فطرق باب السفارة ولم يجد أكثر من الستة آلاف، وتحدث مرة معي وذكر لي بأن الأمير تركي يقيم بصفة دائمة في "فندق مينا هاوس" ولو استطاع الوصول إليه فسوف يساعده لا محالة فهو مشهور عنه الكرم ويأتي بعد الأمير سلطان بن عبد العزيز في الكرم كما هو معروف. أخبرت سهيل أني من الممكن أن أساعده في هذه الحالة لعلاقتي السابقة بسمو الأمير، فركبنا سيارته السوفت الحمراء واتجهنا لطريق الأسكندرية الصحرواي الذي يوجد في بدايته فندق مينا هاوس. استقبلنا مدير الفندق المناوب وأخبرنا بكل أسف أنه لا يمكن أن يساعدنا في الوصول لسموه لأنه هو وأفراد الفندق لا يمكنهم التواصل مع الأمير الذي يسكن في قسم كامل ومفصول تماما عن الفندق إلا في الحالات الضرورية القصوى، لكني طلبت من المدير المناوب أن يبلغه باسمي ويذكره إذا نسى من أنا عن بعض الأحداث التي حصلت بيننا في لندن. وفعلا عاد المدير المناوب مع حارس شخصي للأمير أمريكي الجنسية طوله نحو متران ويبدو أنه لم يبتسم منذ حرب فيتنام، "أصول الشغلة ياعمي" وقام بكل وقاحة بتفتيشنا دون أن يتحدث بكلمة واحدة، ثم تبعناه وأدخلنا صالة كبيرة يبدو أنها قد أضيفت حديثا في الفندق وتخص الأمير وليس الفندق وانتظرنا فيها قدوم سمو الأمير.

حظر الأمير وابتسامته المعهودة تسبقه وقد بدا لي أنه قد تقدم به السن بعض الشيء وازداد وزنه فرحب بنا ترحيب أخجلنا ولمت نفسي لأني لم آتي فقط للسلام ولكن لطلب دعم النادي السعودي الكحيان. بيد أن سمو الأمير بنبله هو الذي بادر وقال "وش أقدر أسوي لكم، محتاجين مساعدة، ناقصكم فلوس، آمروا، لا يردكم إلا لسانكم". شكرته وأخبرته أولا أني أريد أن أعرف كيف أصل لبريصة وثانيا بأنا نحتاج دعما ماديا لنقيم يوم سعودي في الجامعة وينقصنا 10 آلاف جنيه مصري. أشار الأمير لأحد الحراس ودنا منه فكلمه وذهب في الحال وأحضر ظرفين ذكراني بالظروف التي استلمتها في لندن. وقال خذ هذه للنادي والأخرى لبريصة، وسوف تجد بريصة في مسجد العابد في مدينة الشيخ زايد، فشكرناه من قلبينا وودعناه بمثل ما استقبل به من حفاوة وتقدير،،، وكان في وداعة،،،لا بلاش نطول عليكم.
فتحنا الظروف في سيارة سهيل ووجدناها عشرة آلاف دولار للنادي، وخمسة أخرى لبريصة، فناولت سهيل العشرة آلاف فطار بها فرحا، وقال سوف أطلب تيوس مندية بدل من الدجاج البخاري الله يوفق الأمير بيخلينا نلعب بالورق لعب،خخخخخ.


ركبت في اليوم التالي القطار العتيق المتجه نحو مدينة الشيخ زايد وتعجبت من حالة القطار المزرية وقارنته بالقطار الذي كنت أركبه بين لندن ومانشستر، فالقطار البريطاني أنيق أحمر اللون يلمع كالبلور من الخارج وركابه يلبسون أجمل الملابس وقصات شعر النساء رائعة وجلهن يرتدين نظرات أنيقة وفخمة وعطوراتهن جذابة ويجلسون على كنبات وثيرة ويحمل أكثر الركاب الآي بود أواللاب توب أو يقرأون الكتب ويتحدثون بأصوات تتناغم مع تهادي القطار، أما المناظر الخارجية الخلابة نحو الشمال الأنجليزي ففيها متعة العشاق من أنهار وجداول وشلالات تجري طوال الطريق بين السهول والتلال والأشجار الباسقة الخضراء، والقرى المتناثرة بأكواخها الجميلة وفي كل قرية توجد بعض الحصون أو القلاع التي تذكرني بقصص سندريلا وعشيقها الأمير شارل. أما القطار الحجري الذي ركبته في طريقي لبريصة فكان لونه بلون الصدأ وقبل أن أركبه حسبت أنه مركون كمتحف لقطار من عهد الخديوي إسماعيل، وأقل جماعة من ركاب قطارنا التعيس كانوا عبارة عن أسرة تتكون من عشرة أشخاص، الحاج والحجة وأبنائهم وزوجاتهم وأحفادهم ويحملون في أيديهم وأرجلهم وفوق رؤوسهم وظهورهم الطعام والأقفاص، أما الصعيدي الذي يجلس أمامي ويلف فوق رأسه عمامة ضخمة لو فردتها لغطت سيارة سوبربان، ومن ضخامة شنباته كان من المفترض يقص لها تذكرة، ولو تذكرة أطفال على أقل حال، وكان يحمل بين يديه قفص مليئ بالحمام والوز والبيض ويسمى "الزيارة" أي الهدية التي تهدى عندما يزور أقربائه. أما القطار المتهالك فكان الأجدر تسميته قطار شحن وليس قطار أوادم، لأنا فعلا كنا مشحونين فيه كالبضائع، وزاد الطين بلة من يبيع المية والذره وسندوتشات الكبدة في القطار فأصبحنا في خرابة صاخبة، والذي هالني أكثر هي دورة المياه، كرمتم، يعني لا تزعلون مني لأني سميتها دورة مياه بس عشان تعرفون عن أيش اتكلم، فلقد فتحت الباب الذي سمي بهتانا بحمام الهنا فوجدت حمام عربي فيه فتحة مكشوفة ترى منها الأرض التي يمشي فوقها القطار، يعني عدم المؤاخذة يستطيع صعيدي واحد نقل البلهارسيا لجميع المحافظات في رحلة ذهاب واحدة ومجانا كذلك. طيب تخيلوا لو كان في السكة تحت القطار، مثلا يعني، تنكه حديد طايحة وإلا أسلاك شائكة واقتربت من الفتحة، أترك لكم لتتصورا حجم الكارثة.,,,,,خخخخخ ،،،،،،،،قصدي وووووووووووووووووعععععععععععع.

إن لم تخني الذاكرة فقد مررت بنفس هذه الرحلة، على مدينة "قها" والتي أثارت شجوني لأني عندما كنت صغيرا في مدينة الطايف كنت أحب كثيرا أن أشرب من "منجا قها"، هل تذكرونها؟؟؟، لقد كانت تباع بعلب صغيرة مغلفة بورقة بيضاء يتسوطها رجل يبتسم مرسوم على هيئة منجة وفوق رأسه طاقية طاهي وأمامه كوب من عصير المنقة المصرية اللذيذة. كانت "منجا قها" أفضل هدية تقدم في الطايف للمرضى عند زيارتهم في مستشفى الملك فيصل في الشرقية، أيام حلوة وحياة كانت بسيطة.

وصلت مدينة الشيخ زايد والتي بنيت بمنحة من صندوق أبو ظبي للتنمية، وسألت عن مسجد العابد فوصلته بسهولة، وبحثت عن بريصة، فقال لي أحد الأشخاص هل تقصد العارف بالله الشيخ الزاهد العابد العالم النحرير بريصة الأصفهاني، قلت في قلبي زين ما أضفت "رائد الفضاء" كل هاالأسماء له، وفي رقبته خمسة آلاف باوند يلعن أبو النصب، ورديت على الرجال نعم هو بذاته قدس الله سره وسر جيرانه، فأوصلني إليه في أحد القهاوي فتفجأت لما رأيته للوهلة الأولى، فقد تقدم به السن كثيراً وشاب شعر رأسه وطال حتى وصل كتفيه ويلبس ثوبا أخضرا طويل فضفاض وعمامة على رأسه مربوطة باحكمام وتدلى سلاسل وتعاويذ لاحصر لها من رقبته كما يحمل مسبحة طولها نصف متر. لما رأني فز كأن ثعبان قرصه وصرخ بأعلى صوته، مدد، مدد يا سدنا أحمد الرفاعي مدد ، وأقبل نحوي مرحبا بك يا شيخنا نديم، هذه والله رؤياي التي رأيتها البارحة، أهلا بالكريم أهلا بمن أتى من مكة والمدينة وقبر النبي (ص)، وبادلته التحايا والترحيب وجلسنا سويا في القهوة ثم أخذني لبيته وذبح لي وزه وبطه وعمل كوشري بالسمن والتقلية وملوخية بالطشة وطاجن سمك وفطير مشلتت بالعسل الأسود وحلينا بالمهلبية البيضاء بالقشطة والكنافة وبسبوسة مصرية بقمر الدين والفستق، وسألني عن صحة أخي وعما أفعل في مصر فأعطيته الأخبار بالتفصيل وأخذت منه بدوري أخباره، فأطماننت عليه لما أحسست أنه يعيش في صفاء وايمان جميل بعد أن طلق الدنيا بالثلاث والنصب بالعشرة، واعترف لي بما كنت متأكد منه، بأنه قد لطش الخمسة آلاف جنيه الاسترليني التي طلبت منه أن يرجعها للأمير قبل عشرة سنوات، وطلب مني السماح فسامحته وقلت له لن أسامحك فقط بل لك عندي خمسة آلاف دولار أمانة من سمو الأمير تركي، فقز من مكانه وقال مدددددددددددددددد ، يامانت كريم يا رب، وسلمته الخمسة الآف ثم ودعني بمثل ما استقبلت به من حفاوة وترحيب، وقفلت عائداً نحو لقاهرة في قطار الغرام، لألحق باحتفال اليوم السعودي كي نعرض بضاعتنا أمام الطلاب من ايطاليا وفرنسا وأمريكا ونسألهم السؤال التقليدي ماركة "غصب وان + غصب تو" وش رايك فينا قبل عشر سنوات والآن، وماذا تقول عن أوجه التقدم التي رأيتها اليوم خلال تجوالكم في المعرض، طبعا الإجابة ستكون " لقد دهشت مما رأيت اليوم وكانت فكرتي أن بلدكم عبارة عن صحاري ورمال، ولكن هذا المعرض غير من رأي وسوف أنقل الفكرة إلى أصدقائي عندما أعود لجزر الواق الواق....." شكلي بروح السجن مع القصة هذي، يا عمي خلني أنهي الحلقة هذي، انتهت يا حبايبي.

لكن بقي لدي كلام كثير عن القاهرة، لكني سوف أعود بكم إلى لندن في الحلقة القادمة وأكتب عن محمد الفايد صاحب محل هارودز وعن أول مرة رأيته فيها في العام 1984

علي آل جبعان 29-04-2010 12:40 PM

رد : مـــــــــــــــــذكراتــــي اللــــــــــــــندنــــــــية
 
شُكْرَا أَخِي الْغَالِي
نَدِيْم الْهَوَى
عَلَى هَذَا الْسَرَد الْمُمْتِع
وَقَد ثَبَت الْمَوْضُوْع لأَسْتِمَرَارِيّة عِرْضَك الْشَّيِّق
؛؛؛
أَخِي الْغَالِي
أَمَل عَدَم تَكْرَار بَعْض الْحَلَقَات
لِكَي يَسْتَمْتِع الْقَارِيِّء وَتَتَسَلْسَل الْأَحَداث ..
؛؛؛
لَا نَزَّلْنَا نَنْتَظِر الْحَلَقَة الْثَّانِيَة عَشَر ..

وَدُمْتُم بِوُدّ


ماجد الخليفي 29-04-2010 02:31 PM

رد : مـــــــــــــــــذكراتــــي اللــــــــــــــندنــــــــية
 
السلام عليكم اخي نديم الهوى

مذكرات جميلة

وحبذا لو ذكرت كاتبها ... احد الاجزاء رأيتها مكتةبة تحت اسماء مختلفة في عدة مواقع

http://www.suhol.com/vb/showthread.php?t=28550&page=3

http://www.brydah.com/ib/showthread.php?t=110708

http://travel.maktoob.com/vb/travel321921/

السيــف 29-04-2010 04:17 PM

رد : مـــــــــــــــــذكراتــــي اللــــــــــــــندنــــــــية
 
مميز وحلقاتكـ تجعل المتصفح يقف لها أعجاباً
سلمت أناملكـ

مشاري بن نملان الحبابي 29-04-2010 05:10 PM

رد : مـــــــــــــــــذكراتــــي اللــــــــــــــندنــــــــية
 
ما زلنا في انتظار الحلقة الحادية عشرة ..

مشاري بن نملان الحبابي 29-04-2010 05:25 PM

رد : مـــــــــــــــــذكراتــــي اللــــــــــــــندنــــــــية
 
اقتباس:

المشاركة الأصلية كتبت بواسطة ماجد الخليفي (المشاركة 682060)
السلام عليكم اخي نديم الهوى

مذكرات جميلة

وحبذا لو ذكرت كاتبها ... احد الاجزاء رأيتها مكتةبة تحت اسماء مختلفة في عدة مواقع

http://www.suhol.com/vb/showthread.php?t=28550&page=3

http://www.brydah.com/ib/showthread.php?t=110708

http://travel.maktoob.com/vb/travel321921/

مرحبا يا بو عصام ..

الرابطين الأولين مجرّد نقل لرواية الأخ نديم الهوى ..

أما الرابط الأخير فهو نفس الكاتب ولكن باسم آخر ..

فسبق وأخبر هنا بأنه قد وصل في موقع مكتوب إلى الحلقة الـ 18 ..

عوض العبيدي 29-04-2010 06:16 PM

رد : مـــــــــــــــــذكراتــــي اللــــــــــــــندنــــــــية
 
ننتظر القادم

نديم الهوى 29-04-2010 07:27 PM

رد : مـــــــــــــــــذكراتــــي اللــــــــــــــندنــــــــية
 
الأخ ماجد الخليفي

هذه المذكرات لي تحت اسم إنت معاي في مكتوب،،، ونديم الهوى في المواقع التي ذكرت

توقفت عند الحلقة 18

الآن الحلقة 19 جاهزة،،، فقط أحاول أن أجمع الصور لكي أنزلها قريباً،،، وستجدها هنا بعد أن تكتمل الحلقات في هذا المنتدى

شكراً لك على المشاركة

نايف بن جليد 30-04-2010 05:41 AM

رد : مـــــــــــــــــذكراتــــي اللــــــــــــــندنــــــــية
 
الاخ نديم

تملك أسلوووووب شيق وراااااائع وسلس
بل إني حاليآ عدت لقرأتها من جديد
وكأنها جديده علي

نشكرك ...وقد سعدت حينما علمت بأنك ستكملها

لك كل الود

نديم الهوى 03-05-2010 05:58 PM

رد : مـــــــــــــــــذكراتــــي اللــــــــــــــندنــــــــية
 
الحلقة الثانية عشر




شاهدت محمد عبد المنعم الفايد أول مرة في العام 1984، بعد سنة من شراءه شركة هاوس أوف فريرز والتي تتبعها محلات هارودز الشهيرة، وذلك عندما كنت أتناول القهوة والكعك مع موظف السفارة السعودية سليمان المتروك "تقاعد عن العمل ويوجد بالرياض حاليا" في المقهى الفرنسي الراقي والموجود في الطابق الأرضي والذي يعود تاريخ للعام 1871، ورواده هم من الطبقة المخملية الإنجليزية. كان الفايد يجلس مع بعض رفاقه في طاولة قصية بيد أن صوته النشاز كان يطن في آذاننا من بد كل رواد المقهى، خاصة وهو يتحدث بانجليزيته الركيكة بلكنة مصرية بلدية، فيردد زيس، زات، توقيزر"this, that, together" ، ثم يكركر بعد كل جملة أو جملتين. سألني المتروك هل تعرف من ذا الرجل، كنت أعتقد أنه يوناني أو من مواطني شرق أوربا على أبعد تقدير، لكنه قال لي هذا هو الفايد الذي اشترى هارودز مع أخويه علي وصلاح. وأثناء خروجنا من المقهى القينا عليه التحية ورد بتحية أحسن منها وهو الشي الذي لم يعد يقوم به الآن ويعرف ذلك كل من قابله من العرب في السنوات الأخيرة أثناء تجواله طوال النهار وخاصة في الصيف في "وكالة البلح بتاعته، هارودز"، ففي السنوات الأخيرة أصبح أكثر تجهما وكأنه لا يمت للعرب بصلة ولم يأكل معهم يوما فولاً أو بصلة. قد يكون ذلك بسبب حجم المآسي التي ألمت به وأنهكته في مشواره حياته المتقلب بين الجوع والفقر والغنى الفاحش والحروب التجارية الطاحنة والنجاح وصعود المراتب الاجتماعية بسرعة ثم فقدانه المأساوي لابنه ولفظه من قبل الطبقة المخملية الانجليزية واقفال أبواب الملكية في وجهة.

لكن من هو هذا الفايد الرجل اللغز الذي تدور حول حقيقة شخصيته الكثير من علامات الاستفهام حتى للسلطات البريطانية نفسها. ولمعرفته نبدأ باسمه الحقيقي الذي هو محمد عبد المنعم فايد وليس الفايد، يقال أنه أضاف ال للتفخيم وأخرون يقولون أن شخصاً اسمه محمد فايد وصل الي جزيرة تاهيتي بالبحر الكاريبي في يونيو عام 1964 وقد صادق المسؤولين في حكومة فرانسوا روفاليه وقام بنشاط تجاري ضخم هناك بصفته قريبا من حكام الكويت ثم هرب بعد ذلك ومعه مبلغ كبير من المال فقام حاكم الجزيرة في ذلك الوقت بإبلاغ البوليس الدولي الإنتربول ضد محمد فايد، لذلك أضاف لاسمه "ال" لتلافي القبض عليه عند ادخال اسمه في المطارات بأجهزة الكمبيوتر أوالمعاملات التجارية الأخرى. أما أبوه فهو رجل بسيط كان يعمل مدرس لغة عربية في مدارس الاسكندرية، وبدأ الفايد حياته بكل عصامية فعمل عندما كان يافعا كحمال في ميناء الإسكندرية، ثم أنشأ مكتب استيراد وتصدير في الاسكندرية مع اخويه علي وصلاح وامتلكوا ثلاثة مراكب بحرية صغيرة وسماها صلاح الله وما شاء الله وعماد الله، وهذا يوضح تأثير النشئة الدينية عليه في بداية حياته. تعرف مع مرور الوقت على تاجر السلاح السعودي حينئذ عدنان خاشقجي وتزوج من شقيقته الكاتبة الراحلة سميرة خاشقجي "والدة ابنه دودي، أو عبد المنعم" وبدأ من هنا الانطلاق نحو الحلم الكبير، فبدأ بالتكسب من الأعمال التجارية والصفقات وتجارة الإستيراد التي بدأ يزاولها في المملكة. حقق في البداية مكاسب كبيرة لكن سرعان ما تراجع للصفر بعد أن أمم جمال عبد الناصر بعض أملاكهم في مصر التي توافقت مع بعض الخسائر التجارية في السعودية فقرر ترك المملكة والتوجه للعمل في السوق الجديدة الواعدة في الامارات العربية المتحدة، فسافر برا بسيارته البيجو الكحيانة وحمل عليها عفشا بارتفاع السيارة مرتين، مثل ما نرى الآن السيارات الصغيرة في الصيف وجلهم من المدرسين العرب وهم عائدون نحو أوطانهم، فنرى سيارة كورلا مثلا تحمل عفش شقة كاملة وتسير بسرعة سيكل وعادة تكون شبابيكها مفتوحة بالرغم من حرارة الصيف اللاهبة. لم يكن يتوفر لدى الفايد الكثير من الكاش في ذلك الوقت، ولكن كان يتوفر في عقله مشاريع بالمليارات، فوصل للإمارات بشق الأنفس بعد أن عانى من وعثاء السفر وكأبة المنظر، وبدأ بسرعة العمل هنالك وكون ثروة جيدة وعوض الكثير من الخسائر المالية السابقة. دخل مع شيوخ الإمارات الكرام الذين أكرموه وأعجبوا بهذا الجنتلمان المصري الأنيق والذي كان يسرح بهم بالكثير من المشاريع التي تسيل لها اللعاب واستطاع تكوين ثروة كبيرة خلال ثلاث سنوات وهو يبلغ من العمر حوالي 36 عاما فقط. انشأ وهو في الامارات شركة مقرها بريطانيا اسمها "كوستين للمقاولات" التي فازت بعقود عمرانية ضخمة في الخليج، كما أنشأ شركة أخرى في بريطانيا استطاعت أن تفوز بعقد توفير الخضار والفواكة يوميا للقصر الملكي، وهي من أحد أسباب رفض الملكية البريطانية أن يكون المعلم بتاع الباذنجان والكوسة والقرع البلدي، نسيبا لهم في يوم من الأيام، حتى وإن اشترى لاحقا هارودز والكثير من الشركات الناجحة، فلا يزال في نظرهم المعلم الجاهل ولا تهمهم كنوزه أبداً. قام الفايد في العام 1979، بشراء فندق رتز التاريخي في باريس وأعاد له السمعة الراقية التي تميز بها طوال تاريخه العريق بعد أن تدهورت لبعض الوقت بسبب سوؤ الإدارة السابقة له، وقام بكل ذكاء بالتلحوس والتقرب من أهم زبائنه في ذلك الوقت وهو "سلطان بروناي حسن بلقيه" الذي تعود على أن يقيم فيه عند زيارته لباريس وكان يحجز عادة له ولحاشيته 111 حجرة من أصل 260 حجرة. وبسبب هذا الاهتمام الشخصي من الفايد وتوطد العلاقة بينهما، طلب منه سلطان بروناي أن يقوم بسلسلة من الاستثمارات التجارية باسمه في بريطانيا فبدأ أولا بشراء فندق الدورشستر في شارع الباركلين بملغ يصل نحو 250 مليون جنيه استرليني، ثم اشترى في العام 1983 شركة هاوس أوف فريزر وتملك بذلك متجر هارودز بالاضافة إلى العديد من المشاريع الضخمة الأخرى. "كنت سأبدأ الحش فيه هنا ولكن الحمد لله توقفت كما وعدتكم سابقاً".
الفايد لديه الآن أربعة أبناء وبنات من زوجته عارضة الأزياء السابقة الفنلدنية، بالاضافة إلى ابنه الراحل دودي من سميرة خاشوقجي. وبالرغم من استثماراته الكبيرة في بريطانيا فهو لم يحصل على الجنسية البريطانية التي يحصل عليها أي هلفوت يطلب اللجوء السياسي ويخسر الدولة البريطانية راتب ومعيشة وسكن وتعليم أبناءه مجانا، وسبب الرفض هو أنه ثبت للسلطات البريطانية بأنه شخص "غير نزيه، وغير صادق"، كما أنه ولهول المصيبة، وبالرغم من كل تلك المليارات وأنه يمتلك متجر هارودز رمز الطبقة المخملية وقبلة الطبقات العليا في المجتمع الإنجليزي والعالم كله، إلا أنه مرفوض ومنبوذ تماما من حفلات ولقاءات الطبقة الإنجليزية الراقية. فهو ممنوع عرفيا منذ نحو عشرين سنة من حضور الحفلات التي تشرفها الملكة وخاصة من قبل عدوه اللدود وزوج الملكة اليزابيث، الأمير فليب، ولذلك حاول المعلم "حسب الله" محمد الفايد أن يضرب ضربة معلم جديدة في بلاد الانجليز ويتشعبط بالعائلة المالكة بواسطة يد الأميرة ديانا في محاولة مستميته لدخول المجتمع المخملي البريطاني من أوسع أبوابه، ويحسب أن المسألة مثل الشعبطة في أتوبيس ميدان التحرير. فالمشكلة أن الفايد لا زال ورغم ثرائه الفاحش يشعر بعقدة النقص في قرارة نفسه، فحاول أن يزج بابنه للزواج من الليدي ديانا والتي كانت تمر بحالة احباط بعد طلاقها من ولي العهد البريطاني الأمير تشارلز. وفي رأيي المتواضع بان الأميرة لم تكن تنوي الزواج منه بتاتا، لكن كأي مطلقة محبطة تحاول أن تغيض طليقها وأهله بأقصى ما يمكنها وأن تداوي جراحها وتنتقم لكرامتها المهدرة، فلم تمانع من التقرب من دودي كيدا في حماتها الملكة اليزابيث، وفكر المعلم "حسب الله" أبو دودي أن المسألة سايبة وأن الطريق سالكة للطبقة المخملية، فهو في مخيلته الواسعة، أنه بعد كتب الكتاب الخميس القاي إن شاء الله، وعمل الفرح فوق سطوح هارودز سيكون بلا شك أبو نسب مع العيلة المالكة وما فيش حد أحسن من حد بعد كدا ، لكن حساباته كانت خاطئة للأسف، فالعائلة البريطانية والبريطانيون لا يمانعون أن تستثمر وأن تشتري وتبيع مثلك مثل جميع تجار العالم في بلادهم، لكن أن تدخل عليهم من المنور وتختلط بالدماء الملكية، فهذه وحدها تحتاج حرب صليبية عكسية تدوم 800 سنة أخرى، والله أعلم.

وللأسف فإن الفايد مازال بعد أن تفركشت القوازه إلي كانت في دماغة لوحده، يحاول طوال الوقت أن يتحجج بقميص الأميرة ديانا وأن خلفها مؤامرة استخباراتية بريطانية فرنسية، ويضع تمثال لهما في هارودز وخاتم "ألماز" داخل هرم صغير من الكرستال في النصب التذكاري لدودي وديانا، يعني غصب خطيبته. كل ذلك غير صحيح وهراء تام، لكن الفايد إما أنه كذب الكذبة وصدقها، أو أنه يستثمرها لأخر مدى لأنها في النهاية تصب في مصلحته وتظهر مدى أهميته لأن خصومة مش أي كلام، فهم بمستوى العائلة الملكية والاستخبارات البريطانية، فهذا هو العلاج الذي يحتاجه باستمرار لمرض عقدة النقص .

وبعيداً عن الفايد وسنينه الذي أتمنى أن يتوب ويعود مثل بريصة على أقل تقدير، سأتحدث لكم اليوم عن بعض "الإخوة" الذين كانوا يتحلقون حول أخي سواءً في شقتنا في 41 رالف كورت في الكوينزواي، أو في عيادة هارلي ستريت كلينك، والتي كان أخي ينوم بها ثم يخرج للشقة، وما يلبث أن ينتكس فيعود للتنويم للأسف مرة أخرى. كان أكثر المترددين علينا هم من الأخوة من شمال أفريقيا وآخرين من سوريا، وهنالك شخص أمريكي يتحدث العربية لا أذكر اسمه الآن ولكن أذكر الشخص الثاني وهو انجليزي مسلم واسمه سليمان وهو زنجي يشبه في شكله وبناء جسمه القوي مايك تايسون. وبالرغم من أنني أصغر من أخي كثيراً فقد كنت أحس أن الشقة وكذلك المستشفى أصبحت وكراً لكل أولئك، فقد كانت تلك الأيام هي أيام الغليان التي حمى فيها ا****************س في أفغانستان وتصاعدت فيها ألهبة نيران حرب العراق وإيران والفاو وعبدان، وهؤلاء الشباب من شمال أفريقيا يتميزون بالغلظة والجلافة وبالعنف ولا شيء غير العنف، كانوا يأخذون دروس في العقيدة والحث على الجهاد عند "العلامة" أخي، بمحاضرات لا تتوقف، حتى وهو يتناول الطعام، وحدث أن أتى الطعام في أحد المرات وكاد أن ينقطع نفسه وهو يتحدث لهم ويحثهم على فضل الجهاد، ثم يحاول أن يأكل اللقمة التي في يده، فلم يقوى على الاستمرار فطلب منهم العذر لارجاء الحديث حتى ينهوا الطعام!!!!!.
في يوم من الأيام وأخي منوم في المستشفى وعندما كنت أصلي الجمعة في مسجد ريجنت ستريت الجميل الذي بني في العام 1941 في حديقة ريجنت بارك والتي تقع بالقرب من بيكر ستريت، وتم افتتاحه من قبل السفير المصري د. حسن بهجت باشا وتمت إدارته لاحقاً من قبل جماعة المسلمين، حصلت على منشور يوزعه أحد مريدي أخي وهو جزائري الجنسية، وهالني ما رأيت في المنشور الذي يدعو إلى قتل الشرطة الجزائرية والحكومة وكل المتعاونين معهم، ويظهر بالصور آثار الهجوم والتفجير بالشوارع وهنالك بعض صور الأبرياء الذين طالهم القتل، كما أنهم في نهاية المنشور يتظلمون من القوات الجزائرية التي قامت "ظلماً وعدواناً" بقتل "المجاهدين" الذين ارتكبوا المجزرة!!!!! يا حلاوة، يعني المفروض يسمحون للإرهابيين يقتلون على راحتهم ويجمعون الغنايم والسبايا، ثم يعطونهم شهادة تقدير في نهاية تلك الصولة الجهادية. صدمت من محتوى المنشور وكانت في تلك الأيام السلطات البريطانية تحتوي هؤلاء الرعاع وتغض الطرف عنهم وقد عشعشوا في كل ركن فيها قبل أن تكتوي بنارهم، الآن لو حاول أحد توزيع مثل هذا المنشور لنشروا خشمه قبل أن يجف حبر المنشور في طابعته. أخذت المنشور واحتفظت به لأجد الوقت المناسب للحديث مع أخي لكي يعرف خطورة الناس التي تتردد علينا ووحشيتها.

ولكن السؤال،لماذا تستقبل بريطانيا هؤلاء الأعداد من اللاجئين وغيرهم من الذين يشوهون سمعة الإسلام دين الله الحق؟؟، والجواب بكل بساطه بأن بريطانيا قد وقعت على معاهدة جنيف في العام 1951، والتي تقضي بضرورة منح اللاجئين السياسيين الذين يفرون من بلدانهم خشية التعرض لاضطهاد أو القتل، وهي تهيئ لهم كما رأيت بعيني السكن المجاني مع الراتب الأسبوعي وتدريس أبنائهم مع الطعام المجاني لهم في المدراس وكسوة الصيف والشتاء، وأشياء أخرى كثيرة لا تحصى، بل أن بعض اللاجئين، والله العظيم، عندما عدنا للسعودية في اجازة قصيرة أعطونا أموال لشراء ذهب لهم، وعندما سألني أحد الأقرباء ونحن نتسوق لهم، لمن هذا الذهب ما شاء الله، قلت لهم لبعض اللاجئين المساكين والمشردين بعيدا عن أوطانهم في شوارع بريطانيا، رد بحسرة، ما ياخذونا معاهم لاجئين تحت التمرين، أي لاجئين يا عمي إلي يقدرون يشترون ذهب، السعودي ما يقدر يشتريه!!!!!. والأغرب منه قيام مؤتمر في تلك الأيام أتذكر اسمه وأنا لا أصدق عقلي وكان عنوان المؤتمر "القضاء على الإمبرايلية الغربية وزعزعة أركانها" وأين أقيم!!! في لندن، عقر دار الإمبريالية وبحماية من البوليس الإنجليزي!!!!! يا صبر الإنجليز وكل شعوب العالم علينا والله.

كما زاد الطين بلة بالنسبة لي شكي المستمر بأن هذا الخليط الغريب من أفريقيين وسوريين وأمريكان وانجليز لا بد أن يكون مخترقا، خاصة من الانجليزي والأمريكي، والمسألة واضحة ما يبيلها تفكير كثير، ولكن الحماس الزائد من أخي والإخلاص المنقطع النظير يعمي العيون أحياناً، وفعلا تأكدت من حدسي كما سأخبركم بالتفصيل. فلنبدأ بالنصاب "سليمان الزنجي "اسم حقيقي وهو شخص معروف لجميع جماعة المركز الإسلامي الرئيسي في لندن"، كان هذا الشخص المفتول العضلات يخفي في نفسه ما الله مبديه لي، لم أكن مرتاح له من ناحية حماسه الزائد وشخصيته التي تتغير عندما يبتعد أخي عنا. ففي أحد الأيام كنا وحدنا وبدأ مترددا، ثم أراني كتاب اسمه "ثورة الملوخية في شارع أبو مية" موجه ضد السعودية وحاول أن يستميلني، قرأت الكتاب ورميته في وجه وقلت 90% منه كذب، 10% صحيح لأن الكمال لله وحده في أي دولة بالعالم، غضب من رأيي الصريح والحقيقي له وأشار لصورة قديمة في الكتاب ليحاول بيأس إقناعي، وكانت صورة لجبل قارة في الأحساء، وقال شوف السعودية كيف كانت واحة خضراء جميلة، نخيل وأشجار وحدائق غناء، ثم أراني صورة أخرى، صحراوية مقفرة لمكان بنفس تضاريس الصورة الأولى ويقصد بأن الأشجار قد ماتت وأزيلت بفعل الإهمال والفقر والظلم، تفحصت الصورة جيدا، وأدركت بسرعة أنها لجبل القارة في الأحساء وأن الصورة لجهة أعتقد الشرقية نحو الواحة والأخرى من جهة الصحراء وفبركت على أنها قبل وبعد. المكان لحسن الحظ زرته سابقا عندما كنا نلعب في فريق يسمى "فريق الربيع" لكرة القدم، حيث كنا نلعب يوميا في مكان سوق الواحة الحالي في الدمام، وكانت الأرض تابعة للسكة الحديد، وكابتن الفريق وأكثر لاعبيه من أبناء عائلة الغربي من الأحساء، ورتبوا لنا في يوم من الأيام مباراة مع فريق من أولاد عمومتهم في الأحساء. توجهنا نحو الأحساء في يوم المباراة وأكرمنا الأحسائيون بكرمهم المعتاد فخرجت القرية عن بكرة أبيها وعملوا لنا غداء مهيبا في الحديقة نفسها التي أظهرها لي سليمان الزنجي. أتذكر عندما لعبنا المباراة في ذلك المكان أن أتت جميع القرى المجاورة بشيبهم وشبابهم وذرارهيم وقواريهم "عربات تجرها الحمير" وقواريرهم "النساء"، فكنا نلعب أمام جمهو بالآلاف، وكانت المباراة بالنسبة لهم حياة أو موت، لا نعلم لماذا، وحنا كنا جايين نلعب ونتوكل على الله، ولا كنا ندري أصلا حتى إنه في غداء وجمهور. كان من أخشن المتواجدين في الملعب والذي سبب لنا الكثير من الإصابات والمشاكل والنرفزة هو الحكم الحساوي، صدقوا أو لا، فكان رافع ثوبه ولابس طاقية وعرقان أكثر من اللاعبين وله فحيح شديد يصدر من خنافره ويزداد كلما لحق بنا، فأحس عندما أجري خلف الكرة أن أسدا خلف أذني يوشك أن يقفز فوقي من هول فحيحة، وإذا صارت هجمة لهم، يشجع فريقه بكل صفاقة وكأنه ليس بحكم ويركض معاهم، ويصيح بأعلى صوته، يا الله، يا الله يا الله، عليهم، عليهم يا عيال، وإذا قطعنا الكورة منهم، قرعهم وسبهم ويسفل فيهم ، مالت عليكم، الله ياخذكم إن شاء الله كأنها ولية غلبانة تدعو على ابنها العاق، وفي الكثير من الأحيان كان يضايقنا بكتفه ويحاول يعيقنا من الجري، ما أحد يقدر يقوله شيء، فالصافرة في يده. لكن بالرغم من كل ذلك فزنا عليهم وكان الضحية 2 من عيال الغربي، واحد عينه ووجه انتفخوا لمدة اسبوعين بعد المباراة والثاني مفصل قدمه انفك لمدة شهرين وهنالك اصابات بسيطة شفيت خلال نهاية الأسبوع. ما أطول عليكم، حاولت أقنع اللوح سليمان، لكن ما صدق، لكن ولله الحمد، تفحصت الصورة إلي فيها الشجر مرة أخرى وكأنت مأخوذه من فوق جبل القارة كما ذكرت ولاحظت وجود سيارة كابرس صغيرة وبعيدة في الصورة موديل 82 أو 81، وقلت يا حبيبي أنا ما أبي أرد عليك، طالع السيارة هذي، الكلام المكتوب يقول "إن البلاد كانت فيما مضى مليئة بالأشجار والواحات قبل؟؟؟؟؟" طيب حنا الحين في العام 84 وموديل السيارة له سنتين تقريبا، يعني البلاد لسا بخير وما خربت زي ما يدعون في الكتاب، ومن كتابتهم بدينهم. بهت سليمان وتحجج أنه لا يعرف أنواع السيارات الأمريكية ونافح لنصف ساعة دون أن يقول شيء.
لذلك أخذته عند محل سيارات شهير في البارك لين بين فندق القروسفينور وفندق لندن هيلتون، وسألت البائع عن موديل السيارة الأمريكية في الصورة فأكد لنا بأن موديلها 81، عندها انتفخ برطم سليمان وأصبح بحجم فنجال القهوة وهو الكبير في أصله، وقفل مزاجه طول اليوم ولم يعد يتحدث معي إلى أن غادر في الليل لشقته في شيبرد بوش. ضربت فيوز سليمان بعد ذلك لمدة طويلة وأظنه عاد بعد تلك الحادثة لشغلته القديمة كما اتضح لي، فقد كنا نسير أنا وهو وقاسم اليماني في يوم من الأيام ونحن نغني أغنية بوب مارلي بفلو سولجر "buffellow soldier "، فقال إذا كنتم تحبون بوب مارلي حقا، ما رأيكم أن نزور بيته الذي يقع في نتونق هيل قيت، وافقنا فرحين لأن بوب مارلي كان هو معشوق الشباب في أيامنا تلك، ولم نكن نعلم أن له منزل في لندن، لأنه كان قبل وفاته المأساوية يعيش بين أمريكا وجاميكا، فتوجهنا فرحين عند غروب الشمس وركبنا الأندرقراوند من البايزوتر ونزلنا في نوتنق هيل قيت بعد محطة واحدة فقط، وعندما صعدنا بالأصنصير الحجري والذي يعمل عليه رجل أسود في تلك الأيام ووصلنا إلى المنطقة الموحشة اكتشفنا بأنها منطقة خطرة جدا ورأينا لوحة تحذيرية من البوليس في مدخل الحارة، بأن الدخول على مسؤوليتنا بعد الساعة السادسة مساء، ونحن الآن عند السادسة والنصف، لكن كنا متطمنين لأن سليمان البودي قارد المفتول العضلات معنا ولن نخشى أحد، سرنا قليلا فبدأت لنا لندن أخرى لم نكن نتوقع أن نجدها هنا بالقرب من الكوينز واي، فهاهو الوجه الآخر المظلم والبشع منها، فكل سكانها من الزنوج الكاريبيين والجمايكيين والأفارقة الآخرين، وزاد من رهبتنا ظلمة الشوارع الحالكة واشكال الناس المخيفة وشعورهم الطويلة المنيلة بستين نيلة والمجدولة كأنهم يحملون فوق رؤوسهم خلية نحل مؤجرة لعائلة من العناكب، وآخرين يعتمرون القبعات الكاريبية الصوفية ذات الألوان الحمراء والخضراء والصفراء، ويدخنون المروانا بكل استرخاء زرافاتا ووحدانا وأمام منازلهم الأم والأب والأبناء، وأصواتهم تتعالى وصرخاتهم الهستيرية لا تنقطع، والبعض يرقص البريك دانس موضة الثمانينات. جلسنا أمام منزل بوب مارلي الأبيض اللون وطرازه الفكتوري الجميل وبدأنا بتأمل أبوابة وسياجة المفتوح، وبدأ لنا أنه أكبر بكثير من جميع البيوت المحيطة به ويجلس فوق عتباته الكثير من الشباب الزنوج الصيع بملابسهم الغريبة المليئة بالألوان ويلبسون الخواتم الفضية والذهبية والسلاسل التي تنوء من حملها البعارين، كان شكلنا شاذا وكنا كالصعاليك مقارنة بأجاسامهم العملاقة وعضلاتهم المفتولة، وأحسسنا أننا أخطأنا عندما دخلنا المنطقة الخطرة هذه وكان الأجدر بنا هو الانصياع لنصيحة الشرطة وعدم دخولها في الليل، ولكن الذي اثار استغرابنا أكثر أن أتت بنت شقراء جميلة تتقصع في مشيتها وهي الوحيدة التي كنا نستطيع رؤية ملامحها واضحة في الظلام، لأن الزنوج الآخرين كان من الصعب علينا رؤيتهم جيدا في الظلام، إلا إذا ابتسموا فعنئذ نستطيع أن نحددهم من اسنانهم البيضاء فنرسم في عقولنا ما غم علينا من بقية زولهم "الظاهر عشان كذا السودانيين ينادون الرجل ب زول". ودون مقدمات اتجهت البنت الشقراء نحو سليمان الزنجي صاحبنا وطلبت منه شراء الماروانا، فأنزوى بها بعيدا عنا وأشار لنا بعدم الاقتراب، وقلت في نفسي يا ساتر عليك يا نديم، هذي آخرة التربية وكيف وصلت لهذا المكان ووقعت في هذه الوحل الذي لا يصدق، وبدأت باسترجاع شريط حياتي ومن أنا وماذا أريد أن أصل إليه في الحياة وكأني أنا تاجر المخدرات. وبينما أنا أفكر سألني قاسم اليماني، أين سليمان لقد أختفى فجأة ولم أعد أراه، تقدمنا للركن الذي أنزوى فيه فلم نجده بحثنا عنه حول بيت بوب مارلي فلم نجد له أثرا بالمرة، وظهر لنا فجأة خلف منزل بوب مارلي زنجي بطول مترين إلا ربع سانتي، وقلت يا قاسم سوي نفسك شراي ولا يحس إنا ضايعين، وفعلا كان هو من بدأ وعرض علينا البضاعة ونحن لا نعلم هل كانت بضاعة تشرب أو تأكل أو تشم مثل ما نراه في الأفلام، قلبنا القطعة بين أيدينا وقلنا له، "مش بطالة، بكم يا الاخو الدرزن" (زين ما طلبناه هورية، هورية مايعرفها إلا أهل الغربية) مسوين بعد فيها حقين جملة، فرد القطعة فقط ب 70 باوند، قلنا انتظرنا لحظات فصديقنا الذي معه المال قادم حالا. ابتعدنا وكأننا ننتظر صديقنا ومعه الفلوس، ثم أطلقنا سيقاننا للريح باتجاه محطة نوتنق هيل قيت التي أتينا منها، ركضنا بكل ما أتوينا من خفة ورشاقة وشباب، ثم ركضنا ونحن لا نلقي بالاً للعبند إلي يصرخون علينا في الطريق أو يتهكون بأعلى أصواتهم، فيا روح ما بعدك روح، وبعد أكثر من 9 دقائق من الجري المتواصل تعبنا فبدأنا نمشي قبل أن نستكمل الجري مرة أخرى، وفجأة ظهر لنا نفس الشخص الطويل 2 متر إلا ربع سانتي إلي خليناه ورانا بعد كل هالمارثون من الجري وهو يبتستم وقال أين صديقكم ألم يأت بعد، وأكتشفنا أن الطريق الذي ركضنا فيه وسط الحارة أنه يدور كقوس ثم يكتمل دائرة كاملة، مثل شوارع الهيلز في أرامكو، أي أننا عدنا لنفس النقطة التي بدأنا منها عملية الهروب الكبير، يا لهوتي ، قلت ما بدهاش يا قاسم، أنا عندي طريقة قديمة تعلمتها في البر وهو أن نتبع القمر ونجم سهيل مثل البدو وبنجرب الطريقة في لندن، شوف يا عمي، الكوينز واي شرق نوتنق هيل قيت يعني حط طال عمرك نجم سهيل يمينك، والقمر فوق رأسك وعلى طول إنحش باتجاه اليمين وبنوصل الكوينز واي إن قاله الله، طالعت السما، لا نجم سهيل ولا قمر، غيوم وظلمات بعضها فوق بعض، لا حول، طيب وش الحل، أخيرا سالنا واحد خال وين جهة الشرق، أشر لنا جهة الشرق وما صدقنا ودعسنا دعسة واحدة وما وقفنا إلأ بعد ما تعدينا الكوينز واي وخليناه ورانا من الخوف ووصلنا كزينوا اسمه "الكيت كات" اندثر الآن، أمام موقف الباص في البايزوتر إلي يودي لأكسفورد ستريت عند صرافين العملة، وتنفسنا الصعداء، وحمدنا الله على السلامة وقلنا توبة إن كنت أحبك تاني يا بوب مارلي ومنك يا سليمان يا نصاب، عرفناك وتأكدنا الحين يالي مسوي نفسك من "الإخوة" إنك بلغة المخابرات "مخترق للأخوة".

بعد أن تأكدت من شخصية سليمان الزائفة ومن هم الأخوة الآخرين من شمال أفريقيا كنت محتار كيف أوصل الفكرة لأخي بالرغم من تلميحي له بذلك أكثر من مرة ولكن كان أخي لا يجادل ولا يساوم ولا يجامل حتى أبي في سبيل الدعوة والجهاد، بل أن أبي قد أتخذ منه قبل مرضه الأخير مواقف كثيرة نظرا لأنه كان يريد أن يطبق التعاليم التي يؤمن بها بالقوة علينا في البيت، حتى أنه في بداية التزامه كان يمنعنا من مشاهدة صلاة المغرب المنقولة من مكة المكرمة على الهواء في "غصب وان" أثناء شهر رمضان ، كل شيء ممنوع.

أتت الفرصة عندما كان أخي منوم في هارلي ستريت كلنك، وكنت قد طلبت منه تخفيف عدد الزوار بناء على طلب الدكتور قولد مان بسبب مناعته التي بدأت تضعف، لكنه قال بأنه يعتبر الدعوة جهاد وأن روحة رخيصة في سبيل الله "وأين أنا من المجاهدين الذين يضحون بأنفسهم وأبنائهم ودمائهم" وبقية الكلام الذي تعرفونه، لكني أخرجت من جيبي المنشور وقلت له إقرأ، هل يرضيك أن يوزع مثل هذا المنشور والصور التي فيها رجل من أصحابك، يأكل ويشرب معك، بل يسمع منك ويستنير بحديثك، قرأ واستطرد في القرأة ولاحظت أن تعابير وجهة قد تغيرت غضبا وقال من وزع هذا المنشور، إن فيه الكثير من المخالفات من الخروج على الحاكم وقتل الأبرياء، لا يمكن تحليل قتل الأبرياء، نحن ندعو للجهاد ضد الروس وضد من يقتلون الأبرياء وليس ضد الأوطان، من الذي وزع هذا المنشور، أخبرته فلان الفلاني، رد بغضب مستحيل، وبدأ بالدفاع عنه، قلت سأزيدك من الشعر بيت، هل تعلم ماذا حاول سليمان أن يعمل معي، حاول أن يدخلني في مشروع "ثورة الملوخية بشارع أبو مية" وذكرت له القصة وقصة حارة نويتنق هيل قيت بالتفصيل فغصب مني ولم يصدقني وقال كلمة جرحتني والله في وقتها جرح كبير "لا تغلط على أصدقائي، تراهم عندي أهم من أخواني" والله هذا ما قاله لي، لكنه كان معذور ومخدوع بشعارات براقة ستنكسر حتما على أمواج الحقيقة عندما تأتيه عارية تماما. أخذت على خاطري، وقلت له لن أتحدث معك في هذا الموضوع وسوف أجعلك ترى بنفسك، كانت حالة أخي قد تردت تلك الأيام وكنت عندما خرجنا لصلاة الجمعة ولرؤية المنشورات بنفسه كما اتفقنا، يركب عربة المعاقين لعدم مقدرته على المشي، ركبنا التاكسي اللندني الأسود من شارع هارلي ستريت ووصلنا المسجد فدفعت عربته وصلينا صلاة الجمعة، وبعد صلاة الجمعة وقفنا في صحن المسجد وهو يرقب من بعيد ورأى النعيق والعويل من الأشخاص الذين يشتمون ويلعنون أنظمة بلدانهم ويوزعون المنشورات ووقعت عين أخي علي صاحبنا وأحضر له قاسم اليماني المنشور فقرأه وغضب غضب شديد وقال أعدني للمستشفى بسرعة. وفي يوم الأحد أخذت أخي أدفه في العربة من المستشفى حتى وصلنا الهايدبارك عند ركن الخطباء وكان سليمان الزنجي أحد الخطباء المفوهين والذين يجتمع حوله المخدوعين أمثال أخي، كان العدد يصل لمئات المعجبين بهذا الزنجي الإنجليزي المسلم الذي يدافع عن الإسلام وهم لا يعلمون حقيقته. دفعت أخي واندسينا وسط الزحام حتى لا يرى أخي ويتكلم على راحته، بدأ سليمان حديثه في الهايدبارك بالآذان ...الله أكبر.....الله أكبر....أشهد أن لا إله إلا الله...أشهد أن لا إله إلا الله....أشهد أن محمد رسول الله...........كان من بعض الضحايا الذين يرددون خلفه هو "أبوخالد" المحاسب الطيب في الملحقية العسكرية السعودية وحرمه المصون وسلم ع لي وقال بفرح وحبور" شفت كيف الإسلام عظيم، هذولا يتعبون عشان يتعلمون الاسلام واللغة وحنا ما نسوي شي للإسلام" لم أناقشه في الموضوع ولكن قلت الله يدله للحق ويوفقه لكل خير. وبدأ سليمان في موعظته واللعب على العواطف وفي النهاية بدأ بالحديث عن الموضوع الذي أتى من أجله وهو "ثورة الملوخية في شارع أبو مية" وبدأ يكيل الشتائم والتحريض والتعريض بالسعودية وتقليب الأمور ويجد الدعم للأسف من الكثير من المخدوعين الذين غرهم حماسهم وحميتهم للدين، فكانوا يتجاوزون عن بعض زلاته. نظرت لأخي وقد تغير وجهه وقلت من الأفضل أن نبتعد لأن صحته لا تساعده كثيرا في سماع هذا الهراء، فتحركنا ولاحظنا سليمان، وبدأ بتغيير الموضوع خجلا من أخي، وأردف " لا ننكر أن السعودية تبني المساجد وتوسع الحرم ولها أعمال خير كثيرة في العالم..." يبي يرقع يعني، فقال لي أخي بحزن شديد"اللهم إهدي قومي فإنهم لا يعلمون"، خذني يا أخي الحقيقي إلى المستشفى لم أعد أحتمل أحداً الآن. نظرت إليه بحزن شديد، فهذا أخي الذي كان قبل أقل من عامين يحمل الأثقال ويهتم بجمال جسمه وطوله الفارع ويدرس في كلية الطب في جامعة الملك فيصل وفي عز الشباب ووسامته، أدفعه الآن في عربة المعاقين والملاية البيضاء تغطي نصفه السفلي، وقد خذله الناس جميعا، فقبلت رأسه وقلت له، لا تحزن يا أخي إن الله معنا، ولديك في السعودية أخوة خير منهم، فيهم وفاء قحطان ونخوة عتيبة وكرم شمر وطيبة الأحساء وذوق الحجاز وفزعة أهل الجنوب وشيمة حرب، فلا تأس على القوم الفاسقين.


يتبع

مشاري بن نملان الحبابي 04-05-2010 11:42 PM

رد : مـــــــــــــــــذكراتــــي اللــــــــــــــندنــــــــية
 
حلقة جميلة وأكثر من رائعة يا أخ نديم ..

في انتظار الحلقات القادمة على أحر من الجمر ..

عوض العبيدي 07-05-2010 06:04 AM

رد : مـــــــــــــــــذكراتــــي اللــــــــــــــندنــــــــية
 
ننتظر القادم

منصور العبدالله 07-05-2010 12:19 PM

رد : مـــــــــــــــــذكراتــــي اللــــــــــــــندنــــــــية
 
هلا اخوي نديم الهوى


متابع


جميل تعليقك على الفايد ولهجتة الانجليزيه


الأصول العربيه ثابته



شكرا ونحن معاك اخوي نديم الهوى


وفقك الله

نديم الهوى 08-05-2010 01:37 PM

رد : مـــــــــــــــــذكراتــــي اللــــــــــــــندنــــــــية
 
الأخوة في الإدارة

السلام عليكم ورحمة الله

تأتيني رسائل على الخاص في الموقع ولا أستطيع أن أصل إليها لأن المطلوب أن تكون مشاركاتي أكثر من 50 مشاركة لأتمكن من ذلك

هل هنالك طريقة أخرى للوصول إلي الرسائل أقصر من ذلك

تحياتي

مشاري بن نملان الحبابي 08-05-2010 05:13 PM

رد : مـــــــــــــــــذكراتــــي اللــــــــــــــندنــــــــية
 
اقتباس:

المشاركة الأصلية كتبت بواسطة نديم الهوى (المشاركة 684226)
الأخوة في الإدارة

السلام عليكم ورحمة الله

تأتيني رسائل على الخاص في الموقع ولا أستطيع أن أصل إليها لأن المطلوب أن تكون مشاركاتي أكثر من 50 مشاركة لأتمكن من ذلك

هل هنالك طريقة أخرى للوصول إلي الرسائل أقصر من ذلك

تحياتي

لا أعلم غير هذه الطريقة يا أخ نديم ..

ولكن جاري أخبار المراقب عبد الله السحيمي لإيجاد الحل المناسب ..

مشاري بن نملان الحبابي 08-05-2010 05:36 PM

رد : مـــــــــــــــــذكراتــــي اللــــــــــــــندنــــــــية
 
أخبرني الأخ عبد الله السحيمي ..

بأن يجب أن تصل مشاركاتك إلى 30 مشاركة لتتمكن من قراءة الرسائل ..

نديم الهوى 09-05-2010 07:02 AM

رد : مـــــــــــــــــذكراتــــي اللــــــــــــــندنــــــــية
 
شكراً أخوي مشاري على الإهتمام المستمر والخاص

عملت حوالي خمسين مشاركة لأجد رسائل جميلة تستحق العنية من أخواني أعضاء المنتدى المتابعين للمذكرات، وقد قمت بالرد عليها جميعاً وأرجو أن تصلهم لأرى إجابتهم عليها

شكرا مرة أخرى

ابن عياف 09-05-2010 07:52 AM

رد : مـــــــــــــــــذكراتــــي اللــــــــــــــندنــــــــية
 
وكالعادة متأخر في القراءة

من الرابعه وحتى التاسعه

مفارقات كثيرة وجميلة

وهذا بسبب سعه فكر الكاتب

وتنوع ثقافته واطلاعه

وعندي احساس بانه من المؤلفين الكبار

والذي جاء ليثري ملتقانا

والذي ازدان به وبقلمه

فحياه الله

وتقبل التحية

مشاري بن نملان الحبابي 10-05-2010 11:05 AM

رد : مـــــــــــــــــذكراتــــي اللــــــــــــــندنــــــــية
 
أخ نديم ..

شركة قطر للإستثمار اشترت هارودز حقت الفايد ..

http://www.alarabiya.net/articles/20...08/108056.html

نديم الهوى 12-05-2010 06:54 PM

رد : مـــــــــــــــــذكراتــــي اللــــــــــــــندنــــــــية
 
مشاري بن نملان،،،، أنا مدين لك لوقوفك قلبا وقالباً مع المذكرات وكأنها مذكراتك،،، أنا أشعر بذلك،،،،فلك التحية والتقدير من أعماق قلبي،،، وعلى فكرة سوف أفرد حلقة في القريب عن هارودز وعن بيعة لأني مستغرب جداً من السعر البخس الذي بيع به،،، فسعر الاسم وحده يصل نحو 2000 مليون جنيه استرليني وسعر البضاعة 800 مليون جنية استرليني،، الوليد بن طلال طلبه بأكثر من 2 مليار جنيه استرليني ولم يستطيع شرائه،،، لنرى ما سأصل إليه من نتائج قريباً،،،،،،،،،،،،،،،عوض العبيدي،،، مرحباً فيك والقادم أحلى إن شاء الله،،،،،،،،،منصور العبد الله،،، شكراً لك أخي العزيز وأرجو أن تعجبك هذه الحلقة كذلك،،،،،،،،،ابن عياف،،، شكراً على كلماتك المعبرة،، ووالله إنها تعني لي الكثير،،، فقد تأملتها وخجلت من نفسي أن تعطيني تلك الأوصاف،،، لكن عسى أن أكون عند حسن ظنك وأقدم كل ما لدي من قصص ومغامرات ومصائب:confused: لندنية


الحلقة الثالثة عشر


دفعت عربة أخي خارج الهايدبارك واتجهت به نحو المستشفى في شارع هارلي ستريت وبدأ حينها تساقط قطاف الثلج بتؤدة علينا، وما لبث أن تسارع تساقطها حتى غطت أطراف أكمامي ويدي وقبعة أخي والملاية التي تغطي نصفه السفلي وأصبحت أحتاج لجهد أكبر بعد أن غاصت دواليب العربة وسط الثلوج المتجمعة على الأرض، لكني واصلت بعزم طريقنا وسط شارع اكسفورد ستريت. كانت جميع المحلات في تلك الأيام الغابرة تقفل رسميا أيام الآحاد من كل أسبوع، فبدى الشارع خاويا لا حياة فيه البتة سوى صرير الرياح الذي لا ينقطع فتهتز منه زينات أعياد الكريسماس المعلقة في الشارع، فتصدح كرات شجرة الكريسماس الملونة بألوانها الخضراء والحمراء القانية والجذابة والأجراس الذهبية بأنغام تثير شعورا غريبا لا يعرفه إلا من جربه. ويظهر على واجهات محلات نيكست وسي آند إي، وسلفردجز وتوب مان وتوب شوب وماركس آند سبنسر تماثيل بابا نويل يحمل أكياس هدايا عيد الميلاد بجوارب حمراء مزركشة وهو يقف فوق الزلاجة الطائرة التي تجرها ستة غزلان بنية اللون. لكني لم أصادف طوال الطريق آدميا واحداً يمشي في ذلك اليوم الغريب، فلو أن حيا صاح في الشارع بأعلى صوت لرجع له صداه كما لو كان يستغيث في وادي سحيق، فأحسست وأنا أدفعه أمامي بأنا وحيدين في هذه الدنيا وقد تقطعت بنا السبل كما لو أنا تائهين في غياهب القطب الشمالي وسط الثلوج والصقيع بعيدا عن الوطن والأهل دون عزوة أو أمان. نظرت إليه من فوقه لأجد دموعه الغالية تنهمر وتختلط بقطاف الثلج وهو يحاول أن يزيلها دون أن يبدي ذلك لي، هزني انكساره وقلة حيلته وهوانه على الناس، فقلت في نفسي وآسفاه عليك يا أخي لكم عانيت من المرض ومن خذلان أولئك الأوباش وهأنت عاجزا حتى عن السير على قدميك، ولكني تظاهرت برباطة الجأش لكي أشد من أزره، فقلت له ما أجمل الثلوج يا أخي وهي تتنزل علينا كغزل البنات، إنها تداعبنا بنعومتها عندما تلامس أجسادنا. وأردفت، ألا ترى يا أخي أن الشارع أصبح ملكا لنا لوحدنا، فلا يوجد أحد فيه سوانا!!!!، لم يرد علي سوى بتنهيدة طويلة أخرجت من أعماقه دخان أبيض كثيف اخترق الثلوج المتساقطة وكأنه يدخن الأرجيلة. وصلنا إلى متجر دبنهامز فانحرفنا ناحية اليسار باتجاه هارلي ستريت كلينك، وعند بوابة المستشفى قابلتنا الممرضة الحبوبة دبي وقد انتهت لتوها من نوبة عملها، لكنها عندما رأت حالة أخي التي يرثى لها ورأتني اندهشت مما شاهدت، لأنها تعودت أن ترانا دائما مبتسمين وضحكاتنا ترد الروح كما كانت تقول لنا دوما، فعادت معنا إلى غرفة أخي وعندما نام أخي جلست معي خارج الغرفة وتحدثت معها بايجاز عن سبب حزنه الكاسر، واحساسة بالصدمة من أصحابه، وأحمد الله أني تحدثت معها، فهذه البنت الإنجليزية، كمعظم الإنجليز، لديها حكمة في النظر للأمور من زوايا قد تخفى علينا نحن كعرب عاربة أو مستعربة، فقد قالت لي بعد أن فهمت المشكلة "أفضل حل هو أن يقوم بزيارته أحد من أصدقائه القدامى من بلدكم وحبذا لو تأتي أمه وأبيه لزيارته في هذه الظروف العصيبة، فالعلاج النفسي مهم لأي مريض وهو مهم لارتفاع المناعة الضرورية في مرضه". وفعلاً دخلت الغرفة واتصلت بأبي وأمي وأخي الكبير وطلبت منهم القدوم بأسرع وقت وطلبت من أخي أن يحاول أن يدعوا أحدا من أصدقائه في الجامعة وتوفير التذاكر والمصاريف لهم إن كان ذلك ضروريا. اتصل أخي لاحقا بسليمان البابطين وخالد أبو سمرة، اللذين رفضا فكرة توفير التذاكر لهم أو أية مساندة من أخي وفي خلال أسبوع كانا في لندن وقد سبقهما والداي في الوصول.


أخبرتكم في حلقة سابقة بالتفصيل عن حياة أبي، وسوف أحدثكم بسرعة عن والدتي ولن أطيل عليكم، فوالدتي كانت بالنسبة لنا إمرأة بأمة كاملة، أغدقت علينا من حنانها وعطفها وعوضتنا كثيرا عن غياب أبي المتواصل عنا أثناء انشغالة في أعماله التجارية وخاصة عندما كان يعيش في لبنان لمدة ثلاثة أشهر ويعود ليبقى معنا لمدة أسبوع أو عشرة أيام فقط، ثم يعاود السفر مرة أخرى. في بداية حياتها إلى أن دخلت أنا إلى الصف الأول الابتدائي في مدرسة محمد بن القاسم الإبتدائية في الطايف، وأمي ما زالت أمية لا تقرأ ولا تكتب كبقية أقرانها من جيلها، لكنها كانت بالرغم من ذلك تحفظ أشعارا وقصائد بدوية جميلة ومعبرة وتحب أن تشدو بها في كل حادثة غريبة تمر بنا لتعبر بها عما يجول بخاطرها أو عن رأيها. كانت تنشد أبياتا طويلة دون تأتأة أو همهمه، فنستغرب منها كيف حفظتها عن ظهر قلب بطريق السماع فقط، وما سر تلك الذاكرة القادرة على تخزين كل تلك القصائد والملاحم. وفي بداية السبعينات الميلادية ظهرت حملة اسمها "محو الأمية" "كنا ونحن أطفال نحسب اسمها نحو الأمية" فدرست مع نصف نساء الحارة في المدرسة الموجودة بجانب قصر الأميرة سارة بنت عبد العزيز خلف الجبل الذي يقع في حارة الريان في مدينة الطايف، فأتقنت القراءة والكتابة بشكل مذهل. أذكر في يوم من الأيام أن أحد أخوالي حصل له حادث شنيع هو وأسرته فإنتظرنا خروج الحريم الذين يدرسون في المساء "محو الأمية" تحت الجبل أنا وأبناء خالي الأخرين وكانت أعمارنا بين السابعة أو الثامنة. عندما خرجن النساء من المدرسة انطلقنا ونحن نسابق الريح كلن يحاول أن يسبق الآخر، وعندما وصلنا لأمي قلنا لها "نبشرك.....خالي صار له حادث خطير " خخخخخ، نحسب كلمة نبشرك تركب هنا في هذه الجملة.


كنا عند مرض أخي قد أخفينا عنها سر المرض وأخبرناها أنه فقر دم شديد اسمه لوكيميا وعلاجه لا يوجد إلا في لندن، ولكنها في يوم من الأيام كانت تقرأ صحيفة الشرق الأوسط ، بعد أن أتقنت القرأة، وسقطت عينها على اسم المرض "اللوكيميا، سرطان الدم" فطفقت تبكي ابنها عندما عرفت أن معنى لوكيميا هو سرطان الدم ولم تعد تتحدث مع أحد لمدة طويلة، وكل ما واساها أبي أو أقربائي لا ترد وتكتفي بالقول " انما اشكو بثي وحزني الى الله"، وتوافق معرفتها بمرض أخي الوقت الذي خذله فيه الناس وأصبح أخي محتاج لها كما هي محتاجة له، وكان أخي كما عرفنا فيما بعد يردد في نفس الوقت الآية الكريمة " إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون "، وكلاهما آيتان متتاليتان من سورة يوسف ، فهل كان هنالك توارد خوطر بين الأم وابنها رغم بعدهما عن بعضهما.

بعد أن استقبلت والداي في المطار وأثناء السير في الطريق من مطار هيثرو ونحن متجهون نحو لندن في السيارة المرسيدس الخاصة بالمحلقية العسكرية كانت أمي تقول بأنها تشم رائحة أخي داخل السيارة، سبحان الله، هل كانت تتوهم، أو أن ذلك كان صحيحا، فأخي قد ركب معي قبل أكثر من شهرين في نفس السيارة، الله وحده أعلم. وعندما دخلت معهما المستشفى كانت سميرة توفيق في بهو الفندق فأبتسمت لنا وحييناه بسرعة دون أن نكترث بها نظرا للظروف الصعبة التي نمر بها مما جعلها تأخذ على خاطرها كما سأخبركم في حلقة قادمة. ونحن ننتظر المصعد في المستشفى، قالت أمي أنها تحس بأنه سيغمى عليها عند اللقاء، فدقات قلبها تزداد حتى أنها تكاد أن تحصيها، وعندما دخلنا على أخي الغرفة أقبلت أمي على أخي العليل وضمته نحوها وقبلت رأسه ويديه هي تبكي بحرقة وحزن ولها نشيج يقطع نياط القلوب وبقيت أنا وأبي نرقب عاطفة الأمومة الجياشة التي أودعها الله سبحانه وتعالى فيها لنحو خمس دقائق حتى أجلستها وأفسحت الطريق لأبي الذي كان مسيطرا بعض الشيء على أعصابة للسلام عليه.

في يوم لاحق وصل سليمان البابطين وخالد أبو سمرة من السعودية، واقتصرت السماح بالزيارة لهما فقط بالاضافة لشخص آخر اسمه الدكتور عبد الله الخاطر، وهو من أصدقائه السابقين في مدينة الدمام وكان يحضر الدراسات العليا في الطب النفسي في لندن في نفس الفترة التي كنا فيه في لندن. وقد رد لي الأشخاص الثلاثة الثقة في الشاب السعودي الملتزم بعد أن هزها من جذورها ومن ثنايا ضلوعي ذلك الخليط المجنون من الأفاكين والسفاحين والانتهازيين. وتحسنت بذلك نفسية أخي كثيرا فعادت له الابتسامة واشرق وجه لاطمئنانه بوجود والداي وأصدقائه المقربين، فقسمنا اليوم بيننا لزيارته، فخالد وسليمان يعودانه من الصباح حتى الظهيرة، وأنا ووالداي من بعد الظهيرة حتى المساء.

بعد أن هدأ روع والدتي، أحببت أن أسري عنها وأنتشلها من الحزن الطويل الذي أنهكها فقررت أن أشتري لها هدية من محلات لندن الجميلة خاصة وأنه قد تجمع لدي في الشقة تحت البطانية إلي إنتم عارفينها أكثر من عشرين ألف باوند لا أعلم ماذا أفعل بها، لذلك أخذت والدتي معي نحو محل راقي اسمه قراف دايموندز Graff Diamonds، يقع في نيو بوند ستريت، وكانت والدتي تتسربل بالغطاء الأسود من أعلى رأسها حتى أخمص قدميها، وعند مدخل المحل الراقي والذي يقف أمامه شخصان طويلان وسيمان يرتديان بدلتان سوداوين من تصميم فالنتينو ونظارات سوداء كذلك، أتذكر بأنا الحاجبان أوجسا منا خيفة وتفاجأوا بأنا نقصد محلهما كزبائن لأن في تلك الأيام لم ينتشر العرب في كل ركن وزاوية مثل ما هو حاصل الآن، كما أن الغاطاء الأسود الكامل لم يكن منتشرا بكثرة. دلفنا نحو المحل الأنيق واخترت لها خاتم ألماس جميل وناعم على شكل ماسة تاج الملكة اليزبث الذي يزين تاج عرشها اسمه "crown diamond ring" قيمته 9999 باوند، أي حوالي 45 ألف بسعر تلك الأيام وحوالي 60 ألف بسعر الصرف الآن ، ولكن سعر الخاتم قد يصل هذه الايام أكثر من مئة ألف بعد ارتفاع أسعار الألماس، ولكن للأسف لم يعجب أمي الخاتم أبداً ولم تحفل به بالمرة وكأني كنت سأشتري لها شمعة أو براية أقلام رصاص، وتفركشت المفاجأة، فقلت لها "لا ترديني يا أمي الله يرحم والديك، يجب أن أشتري لك هدية قيمة ترجعين فيها السعودية معاك، وتتفاخرين بها قدام أم عبد الله وأم سعود وأم سلطان". فكرت بعض الشيء ونحن نجلس على المقاعد الوثيرة في متجر قراف وبجانبنا مسشارة المبيعات الجميلة كأنها مرسومة رسما بأبعاد رباعية، فقالت "أريد أن أشتري قدور وصحون وتباسي، يمدحون قدور لندن " ضحكت من طلبها الغريب وقلت تتركين الألماس من أرقى محلات لندن وتبين بداله قدور ومواعين، أمري لله، فخرجنا من بوند ستريت واتجهنا لسلفردجز لتختار الأطقم التي تريد، ولكن لم يعجبها شيء أبداً مرة أخرى، وقالت لي "يا ابني طول عمرنا في السعودية نشتري من المحلات الشعبية، نفحص البضاعة ونقلبها ونطرق عليها ونفاصل في قيمتها، لكني لا أستطيع أن أشتري من هذه المحلات، أحس أنه تبذير ماله داعي والله لن يرضى أن أدفع 1500 ريال ثمن قدر". عندها طرأت لي فكرة الذهاب لشارع "بريك لاين" الذي يقع في منطقة شعبية شرق لندن ويقطنه الكثير من الجاليات البنغالية والهندية واليهود الاشكناز، ويقام فيه سوق الأحد الذي يشبه تماما سوق الخميس في مدينة القطيف. وهنالك اشترت ما تريد وعبينا السيارة قدور وفنجايل وملاعق وحتى أننا ويا لطرافة هذا السوق، وجدنا "كمر" وهو الحزام الذي يربطه الحاج في وسطه لحفظ الأموال والأوراق المهمة فأضفناه لبضاعة لندن المتميزه التي ستجلبها أمي معها للسعودية!!!، ولم تكلفنا البضاعة كلها على بعضها مع غداء "فش آند شبس" أكثر من 80 باوند، وبكذا تكون أمي وفرت لي من ال 20 ألف الي كنت أنوي أن أهديها لها 19920 باوند، ولكن والدتي كانت سعيدة جدا بقدورها أكثر من سعادتها عندما كانت في محل قراف دايموندز الراقي للمجوهرات، فـأكدت لي بتصرفها هذا أن السعادة شيء نسبي وكل انسان يستشعرها بطريقته الخاصة وأن سر السعادة هو القناعة في الحياة والبساطة وتقدير الأشياء التي يرزقنا الله بها، فالقدور والطناجر والفناجيل وخراطة الملوخية ومقوار الكوسة، من الممكن أن تعني للانسان أكثر من الألماس والذهب واللؤلؤ وساعات معوض والدهام، وخواتم وعقود وحلقان محلات إرم.


بعد مرور أكثر من عشرة أيام على تواجد والداي وبالرغم من اطمئنان أخي لقربهما منه بالإضافة إلى أصدقائه المقربين، إلا أن صحته وعلى عكس ما توقعنا وتمنينا بدأت بالتدهور بشكل سريع، وهذه المرة بسبب تقلبات المرض ورفض جسمه للنخاع الذي تبرع به أخي الصغير له، فعمل له الأطباء، بالإضافة إلى المغذي من الوريد، فتحة من جهة القلب تتصل بكيس معلق شبيه بالمغذي لإعطائه الأدوية الأخرى عن طريقه، وقد جربوا، كما أذكر، علاجا جديداً يستخدم لأول مرة على انسان وهو يجعله حرارته تنخفظ بشكل كبير فيبدأ بالارتعاش وكأنه وسط ثلاجة، وقد وقعنا على بعض الأوراق للموافقة على استخدامه بعد استشارة الملحق الطبي دون فائدة تذكر، بل أن أخي مع مرور الوقت بدأ يفقد التركيز حتى أصبح لا يعي ما يدور حوله ولا يستطيع التعرف على الأشخاص، وبدأ بفقدان الذاكرة بالتدريج بسبب تلك الأدوية وكأن جسمه أصبح حقل تجارب لتلك الأدوية حتى دخل أخيراً في غيبوبة كاملة.


في أحد الأيام أتى لنا الدكتور قولدمان وأخبرنا بالخبر الحزين بأنه قد فقد الأمل بتحسن حالة أخي تماما وأنه يتوقع أن يتوفاه الله، حسب المعطيات الطبية، خلال أربعة أيام، بل أنه حدد ساعات معينة لوفاته. صدمنا بالخبر المفجع وبدأت أمي تبكي حتى أبيضت عيناه من الحزن على ابنها الذي بدأ كهيكل عظمي شاحبا وجسمه مسجى بلا روح فوق سرير المسشفى. وبدأ الدكتور عبد الله الخاطر، الطبيب النفسي الطيب والخلوق، بتهدئة والدتي وتهيئتها لتقبل المصيبة وتذكيرها بما لها من أجر يوم القيامة إن هي صبرت واحتسبت وأن الله لن يحرمها الأجر وهي المرأة المؤمنة، وأن الله هو الذي وهبنا أخي، وهو سبحانه الذي سيأخذه منا، وأن تحمد الله وأن لا تحزن على فراقه فهو رجل ملتزم بتعاليم الدين وكان يؤم المصلين رغم صغر سنة في مدينة العمال في الدمام. وفعلا، كان لاسلوبه الإيماني ولتخصصه كطبيب نفسي سحرا كالبلسم الشافي لوالدتي فبدت مؤمنة صابرة جاهزة لاستقبال المفاجأة وكأنها سوف تودعه كما قال لها في المطار وستلقاه بإذن الله، يوم القيامة في أبهى الحلل في جنات النعيم.


اختلىى الدكتور عبد الله الخاطر بوالدي وبي في الصالة الخارجية وبدأ يحدثنا عما يجب علينا أن نفعله للتعامل مع مراسيم الصلاة عليه في مسجد لندن ومن ثم موارة جسده الثرى في مقبرة المسلمين في بروك وود في لندن لأن الجثة لو نقلت بواسطة الطائرة فيجب أولاً استئصال بعض الأعضاء مثل الكبد وغيرها، وإلا فلن يسمح بنقله بواسطة الطائرة من قبل شركات الطيران، وأوضح أن المقبرة الموجودة في بروك وود في لندن خصصت للمسلمين بعد أن تم دفن نحو 24 مقاتل مسلم في الحرب العالمية الأولى والثانية ومعظمهم كان من الهند حاربوا مساندة للبريطانيين وعندما أصيبوا في الحروب نقلوا للعلاج في بريطانيا ثم توفوا فدفنوا في قسم خصص للمسلمين ومن ثم اتسعت المقبرة مع الوقت بسبب تكاثر المسلمين، فهي إذن الخيار الأفضل لدفنه. دخل علينا في تلك اللحظة أحد زوار أخي وهو تاجر من الرياض اسمه "سليمان العيسى" (اسم حقيقي، وهو ليس المذيع المعروف) ولم أكن اعرفه جيدا ولا أعرفه إلى هذه اللحظة وهل هو حي أم لا، ولكن الذي أعرفه جيدا نبل هذا الرجل الذي عرض علينا نقل الجثة بطائرة خاصة على حسابه حتى لا يتم استئصال أي جزء من جسمه لأنه يعتبره أخ مسلم عزيز عليه، لكن في النهاية آثرنا دفنه في مقابر المسلمين في لندن حسب نصيحة الدكتور عبد الله الخاطر.


في اليوم العصيب الذي حدده له الدكتور قولد مان بناء على نتئائجه الطبية، أتى الدكتور على عجل وفتح المغذي بعد أن حقنه ببعض الأدوية لأقصى نسبة كخيار أخير، وأخبرنا بكل وضوح أن ليس لديه حل وأن علينا الدعاء لأخي فقط ولن تفيده الأدوية التي أعطاها إياه شيئاً، إنما هي محاولة أخيرة لعل وعسى. كان متواجدا حوله في لحظات احتضاره الأخيرة، أبي وأمي وأنا وسليمان البابطين وخالد أبو سمرة والدكتور عبد الله الخاطر، وبدأ الدكتور عبد الله الخاطر يقرأ عليه القرآن وهو يغالب دموعة ويمسح على رأسه ويلقنه الشهادة وهو في غيبوبة تامة ولا يشعر بشيء ونزل مستوى الأوكسجين إلى أن أصبح تنفسه كأنه همساً والأجهزة الأخرى تشير لإنخفاض ضغطه رويداً رويداً، ودقات قلبه تتباطء حتى تكاد أن تتوقف، وفجأة دوت أجهزة الإنذار الموصلة به معلنة اقتراب الموت منه قاب قوسين أو أدنى واستدال الستار عن حياته القصيرة، فما هي إلا لحظات ويغادر بعدها الدنيا التي عاش فيها 22 عاماً فقط كعابر سبيل نحو حياة البرزخ السرمدية تحت التراب وحده في اللحد إلى أن تقوم الساعة، فطفق الدكتور عبدالله الخاطر بحزن شديد والدموع تنهمر منه بتلقين أخي الشهادة: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله........ أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله........اللهم إرحمه يا رب، إنك رؤوف رحيم، اللهم إني أسألك أن تكتبه عندك من الصالحين والصديقين والشهداء ،،،،،،،،........الله المستعان..


وفي يوم الأحد الموافق 3 جمادى الآخرة 1410، بعد نحو ست سنوات، قام أخي المريض بيديه بدفن الدكتور عبدالله بن مبارك بن يوسف الخاطر رحمه الله في مقبرة غرب الدمام، عندما أصيب الدكتور بنوبة ربو حادة أثناء صلاة الفجر، رحمه الله............ مات الدكتور، وعاش أخي،،،،، وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس باي ارض تموت ان الله عليم خبير".
يتبع

علي آل جبعان 14-05-2010 01:43 PM

رد : مـــــــــــــــــذكراتــــي اللــــــــــــــندنــــــــية
 
بِسْم الْلَّه الْرَّحْمَن الْرَّحِيْم
لَا غَرَابَة فِي حَس هَذِه الْأُم الَّتِي أَنْحَت عَلَى تَرْبِيَة أَوْلَادِهَا حِيْن غِيَاب رَب هَذِه الْأُسْرَة
فِي طَلَب الْرِّزْق لِهَذِه الْأَسِرَّة الْكَرِيْمَة , وَلَا غَرَابَة أَيْضا فِي حُزْنِهَا حِيْنَمَا عَرَفْت مَرَض فِلْذَة كَبِدِهَا ,
وَلَا غَرَابَة هَذَا الْحَزَن الَّذِي خَيَّم عَلَيْهَا حِيْن رُؤْيَة أُبَنَّهَا بِالمَشْفِى وَمُفَارَقَتُه لِلْحَيَاة ؛
هَذَا الْشُّعُوْر سَرَى لَنَا نَحْن الْقُرَّاء وَخَاصَّة مَن عَاش مَرَض قَرِيْب لَه وَصَارَع فَتْرَة مِّن الْزَّمَن
بَيْن رَدَهَات هَذِه الْمُسْتَشْفَيَات الَّتِي أَحْيَانا تَقْف عَاجِز عَن فِعْل شَيْء ..
؛؛؛
حَكَمْت الْلَّه وَقُدْرَتِه وَسُنَّة كَوْنِيَّة مَاضِيَة عَلَى كُل الْبَشَر , فَمَا بَالُك بِمَن امْتِلَاء قَلْبِه أَيْمَانا وَصِدْقَا
بِأَن الْحَيَاة لَابُد لَهَا مِن نِهَايَة فَنَسْأَل الْلَّه حُسْن الْخِتَام ..
؛؛؛
مِن هُنَا وَبَعْد طُول زَمَن أَحْسَن الْلَّه عَزَاؤُكُم فِي فَقِيْدِكُم وَأَلْهِمَكُم الْصَّبْر وَالْسَّلْوَان ,
وَإِنَّا لِلَّه وَإِنَّا إِلَيْه رَاجِعُوْن ..
؛؛؛؛
كَم أَعْجَبَنِي هَذَا الْرَّبْط وَهَذَا الْسَّرْد الَّذِي لَا يُجِيْدُه إِلَا نَدِيْم الْهَوَى ؛
فَبَارَك الْلَّه فِي فِكْرِك وَقَلَمُك وَصِحَّتَك كَمَا سَحَبَتِنا إِلَى عَالَمِك بِهَذِه الْرِّوَايَة
الَّتِي بِحَق تَحْتَاج مَن كَاتِبُهَا جُهْد وَعَنَاء شَدِيْدَيْن لَربَط الْأَفْكَار وَالسِّيَر فِي خَط يَجْذِب الْقَارِيِّء الْكَرِيْم
لَيُتَابَع وَيَسْتَمْتِع بِرَوّعَة هَذَا الْحُبُك ..
؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛
لَقَد كَسَرْت حَاجِز الْصَمْت بِهَدِيَّر حَرَّوْفِك وَجَعَلْتَنَا نَنْتَظِرْهَا بَيْن الْفَيَّنة
وَالْأُخْرَى لِنُسَبِّح مَعَك فِي رَحَلَاتِك المَكُّوكِيّة وَكَأَنَّنَا مَعَك نَنْظُر بِعَيْنِك وَنِسْمَع بِسَمْعِك وَنُفَكِّر بِفِكْرِك
وَنِدَوِّن بِقَلَمِك وَأَنَامِلِك الْذَّهَبِيَّة ..
أَنَا أَعْتَقِد بِأَن الْحَلَقَات الْقَادِمَة سَتَكُوْن مُدْهِشَة وَمُثِير لِأَن مَرْحَلَة نَزِيْف الْحُزْن سَتُقَل بِفِرَاق
بَطَل هَذِه الْقَصَص وَهُو أَخُوْك رَحِمَه الْلَّه وَأَسْكَنَه فَسِيْح جَنَّاتِه وَثَبِّتْه وَجَبَر مُصَابَكُم ..
؛؛؛؛؛؛
أَخِي الْغَالِي
نَدِيْم الْحَرْف بَل نَدِيْم الْهَوَى
أَسْتَمِر وَنَحْن نَتَلَذَّذ بِهَذَا الْطَرِح الَرَاقِي وَالَّذِي يَنْقُلُنَا مِن مَنَاخ إِلَى أَخَّر ؛
سجَّلَنِي مِمَّن رَاق لَه هَذَا الْطَرْح ..

وَدُمْتُم بِوُدّ




مشاري بن نملان الحبابي 14-05-2010 07:24 PM

رد : مـــــــــــــــــذكراتــــي اللــــــــــــــندنــــــــية
 
أرحب يا أخ نديم مرة اخرى ..

هذه الحلقة مؤثرة جدًا ..

ولكن هل مات أخوك أم عاش ..

لأنك تقول بأنه قد دفن الدكتور بعد ست سنوات ..

نديم الهوى 14-05-2010 07:49 PM

رد : مـــــــــــــــــذكراتــــي اللــــــــــــــندنــــــــية
 
لمي يمت أخي


الذي مات هو الدكتور عبد الله الخاطر الذي كان يلقنه الشهادة،،،،،

نديم الهوى 18-05-2010 06:58 PM

رد : مـــــــــــــــــذكراتــــي اللــــــــــــــندنــــــــية
 
الحلقة الرابعة عشر


صور لندنية قديمة وبعض الصور التي تخص بعض فصول الرحلة





هذه صورة الصخرة الموجودة في الهدا في الطايف والتي كان يجلس عليها أبي وعمره 9 سنوات وهويبكي قبل نحو 75 سنة، عندما يشتد عليه التعب ويقوم عمي بضربة ليستأنف السير مع القافلة المتجهة إلى مكة المكرمة.





فريق كرة قدم كوناه من خليط من كل الجنسيات، والرجل الثالث من اليسار وقوفا اسمه "شيية عرعر ا" وهو صاحب فنقد بجوار فندق لانكستر قيت، وقد نظم مسابقة ملكة جمال العرب لأكثر من مرة في لندن، وقد أتحدث عنه في حلقة قادمة





النافورة الإيطالية في الهايدبارك خلال فصل الربيع




هذه الصورة أخذت لي ثاني يوم وصلت في لندن، كانت يدي مكسورة،"كنت ألعب تايكوندو في نادي الأتفاق، ولعبنا مباراة مع القادسية، وكسر يدي لاعب القادسية عادل الحواج"، يبدو في الصورة ملابسي التي شريتها من بسطة فوق سيارة عراوي بجانب سوق القطيف، خخخخخ




رحلة مدرسية للطلاب المسلمين بمناسبة عيد الأضحى لحديقة ريتشموند بارك، ويبدو زميلي مرزوق العتيبي الرابع وقوفاً من اليمين وسوف أتحدث عنه في حلقة قادمة




الشتاء في الهايدبارك




رجل البوليس الإنجليزي الأنيق، ويبدو طوله الفارع بالرغم من أن طولي 174 سم




باص لندن القديم رقم 23 المتجه من البايزوتر أمام حديقة كنجنستون بارك إلى شارع أكسفورد ستريت



بعض شبابك البانكس، موضة منتصف السبعينات وحتى نهاية الثمانينات الميلادية، الآن لن تجدهم في شوارع لندن بالمرة

http://travel.maktoob.com/photo/data/500/Punks.jpg

يتبع

مشاري بن نملان الحبابي 19-05-2010 10:47 PM

رد : مـــــــــــــــــذكراتــــي اللــــــــــــــندنــــــــية
 
مرحبا يا نديم ..

نشكرك على هذه الصور الرائعة ..

وما زلنا في انتظار المزيد ..

نادر العبيدي 19-05-2010 10:55 PM

رد : مـــــــــــــــــذكراتــــي اللــــــــــــــندنــــــــية
 
اشكرك جزيل الشكر

منصور العبدالله 21-05-2010 08:50 AM

رد : مـــــــــــــــــذكراتــــي اللــــــــــــــندنــــــــية
 
ماشاء الله


لازلت متابع


وراجعت آخر الحلقات ولكني قرأتها بسرعة


اتمنى ان تكون كل حلقة وحلقة بينها عشرة ايام


وجميل ما ارفقته من صور


وفقك الله أخوي نديم الهوى


والله رائع رائع رائع

نديم الهوى 22-05-2010 09:25 PM

رد : مـــــــــــــــــذكراتــــي اللــــــــــــــندنــــــــية
 
سأكتب الحلقة التالية قريبا

مشاري بن نملان الحبابي 22-05-2010 09:33 PM

رد : مـــــــــــــــــذكراتــــي اللــــــــــــــندنــــــــية
 
مرحبا أخ نديم ..

سبق وأن طرحت هذه الحلقة مسبقاً برقم ( 13 ) ..

نديم الهوى 23-05-2010 03:55 PM

رد : مـــــــــــــــــذكراتــــي اللــــــــــــــندنــــــــية
 


الحلقة الخامسة عشر


حلت الساعة الثانية ظهرا التي حددها الدكتور قولدمان لحدوث الوفاة، بيد أن قلب أخي مازال متشبثا بالحياة من خلال قشة منفطرة تكاد أن تنقطع بين لحظة وأخرى. وكان مع الدكتور ممرضتان تساعدانه في ومراقبة الأجهزة الطبية وإعطاء بعض الحقن الذي يطلبها الدكتور من وقت لآخر، وبعد مرور أكثر من ساعة بدأ الدكتور أكثر تفاؤلا وأستدعى طبيباً آخراً اسمه الدكتور واردل للإشراف عليه، وفهمت من حديثهما أنه يعتقد بأن أخي قد مات بالفعل ثم عاد للحياة مرة أخرى، لكن إذا ما مرت الساعات الثلاث القادمة على خير، فمن المحتمل أن يتجاوز المرحلة الحرجة، وأوصاه بمتابعته عن كثب ومن ثم غادر الغرفة. نظرت لأبي وللدكتور عبد الله وسليمان وخالد فشعرت بأن اللحظات العصيبة قد رسمت آثارها على محياهم جميعاً وكأن الدماء جفت في عروقهم جميعاً، فقد كانت وجهوهم شاحبة وشفاهم بيضاء متشققة، أما أمي فقد كانت خائرة القوى ودموعها قد أغرقت نقابها بالكامل وأصبحت تترنح في حركتها في الغرفة من الأسى والقنوط الذي أصابها. قامت أمي بعدما غادر الدكتور قولدمان فسقت أخي ملعقة من ماء زمزم ومسحت به على وجهه ورأسه ودعت الله بأن يشفيه وأن لا يحرمها منه وأن لا تفقده وهو في عز شبابه، بل أنها دعت فقالت "يا رب إحفظه لي حتى لو أنك أبقيته على اغمائته الحالية ما بقي له من عمر، فقد رضيت بذلك، ولكن لا تأخذه من بين يدي، يا رب".

ومرت الساعات الثلاث الحرجة بسلام وبدأت ولله الحمد تتحسن النتائج فاستبشرنا خيرا واستطاع الجميع الاستئذان بالخروج بعد أن أطمأنوا عليه وخاصة أنهم قد قضوا أكثر من 7 ساعات من اللحظات الحرجة التي أنهكتهم، فودعناهم وشكرناهم على حسن صنيعهم وأصالة معدنهم، وبقيت أنا وأبي وأمي والممرضتان. عند الساعة التاسعة مساء طلبت من والداي الذهاب وقلت لهما بأني سأنام معه في نفس الغرفة هذه الليلة، وسأتواصل معهما عبر الهاتف إن استجد شيئاً، فغادرا بعد إصراري على أن ينالا قسطاً من الراحة ويعودانه في الغد الباكر.

استمرت حالته في التحسن مع تقدم الوقت حتى أن الممرضتين استطاعتا مغادرة الغرفة بعد إطفاء الإضاءة وطلبا مني استدعائهما إذا احتجت لأية مساعدة، فشكرتهما واستلقيت على الأريكة الجلدية السوداء أرقبه عن كثب، ثم تناولت المصحف وبدأت بقراءة سورة ياسين وسط الظلام مكتفياً بالنور الصادر عن الأجهزة الطبية المتصلة بأخي. لكني سرعان ما غطيت بنوم عميق بسبب ما كابدت طوال اليوم من نصب وتعب وأنا لم أنهي نصف السورة، فبدأت تخالجني وتتلقفني الأحلام والكوابيس فأستشعرها وكأنها حقيقة وليست كالأحلام العادية التي تمر علي كل يوم. فرأيت نفسي وأنا أسير بنعش أخي فوق عربة سوداء تجرها ستة من الخيول السوداء، ويتبعني جمع غفير من جماعة المركز الإسلامي لمسجد ريجنت ستريت ونحن نسير وسط شارع ريجنت بارك باتجاه شارع بورتلاند ثم نقطع ريجينت ستريت والبيكادلي ونهر التيمز، متجاوزين آلاف المتسوقين الذين يرمقونا بفضول، وآخرين بحزن من داخل الحافلات الحمراء ونحن في طريقنا نحو مقبرة بروك وود في جنوب غرب لندن.

http://farm4.static.flickr.com/3425/...3c6ec9ef6d.jpg

مسجد ريجنت ستريت في لندن




مقبرة بروك وود في لندن

http://1.bp.blogspot.com/_h5CrYoF5cg...y+2010+005.jpg




وبعد أن وصلنا المقبرة، صلينا عليه صلاة الميت فنزلت معه القبر نحو مثواه الأخير وسجيت جسده اللحد ووجهته شطر المسجد الحرام، لكن فجأة بدأ تراب القبر ينهال علي من كل الجهات وأنا قابع في وسطه، فحاولت أن أستغيث بأعلى صوتي لمن هم في الأعلى كي لا يحسبون أني أنا الذي سوف أدفن، ولكن لم يكن ليصدر عني أي صوت وكأني فقدت القدرة على النطق، ورأيت فوق سطح القبر، الذي أصبح عميق جداً، سليمان الزنجي وهو ينظر نحوي نظرات تشفي ويدفع الرمال وهو منتشي للغاية ويساعده في ذلك نسيم الجزائري. حاولت القفز للأعلى فأعاقني عمق القبر الذي يصل طوله نحو مترين، وبدأ التراب يغمر جسدي ووصل حتى رأسي وأنا أغوص وسط القبر ويكاد التراب يكتم أنفاسي. وبينما أنا أحاول النجاة بنفسي بعد أن فقدت كل أمل في ذلك، ظهرت لي فجأة من داخل القبر يد أخي فجذبتني بقوة نحو الأسفل، فحاولت التخلص منها بكل ما بقي لدي من قوة، ولكن قواي خارت وأنا أسبح داخل الظلام الدامس ورائحة الطين تحشر أنفاسي، فأغمضت عيناي وسددت أنفي حتى انتهى بي المطاف وسط اللحد.


http://www.mexat.com/vb/attachment.p...1&d=1161457152

فوجدت أخي وقد تخلص من كفنه وتقرفص داخل اللحد الذي بدأ لي أنه فسيحاً وأكبر بكثير من الحجم الذي حفرته، ويشرف على منظر خلاب تحيطه حديقة غناء أبهى جمالا من الهايدبارك في أوج الربيع، ويتخللها أنهاراً وأشجاراً تتلألأ وتسبح فيها طيور السنور والبجع والحمام الأبيض. سألت أخي بخوف ورهبة ممزوجان بسعادة، ألم تمت بعد يا أخي؟؟؟ وكيف تخلصت من الكفن، وأين نحن الآن، هل نحن في الحياة الدنيا أم في الآخرة، رد كلا، كلا يا أخي، نحن بين الدنيا والآخرة، ولم أمت أنا ولن تموت أنت، فالله قد كتب لي من العمر بقية ولا بد لي أن أحياها لأني قد دفنت قبل أواني ويجب علينا أن نخرج سوياً من هنا وبأسرع وقت وبأية طريقة لنعيش ما بقي لنا من الحياة، أجبته بخوف وذعر شديدان، كيف يمكننا ذلك ونحن تحت التراب وفوقنا من يتربص بنا إن حاولنا الخروج؟؟، فنظرنا حولنا فوجدنا على يمين اللحد أحد المسلمين متكئاً على سرير ويتناول التين والعنب، فأخبرناه بأنا نريده أن يساعدنا لنخرج من هنا، فابتسم لنا ابتسامة صافية وأخبرنا بأنه يتوجب علينا إذا ما أردنا العودة للحياة الدنيا بأن نقطع تلك المفازة التي تقع فيها قبور الكفار في الجهة المقابلة من اللحد، وهي صحراء قاحلة لا يوجد فيها ماء أو كلاء، وقد يقضى علينا قبل أن نصل طريق الحياة فنعود لنفس هذا المكان الذي نحن فيه الآن، ونصحنا أن نبقى هنا في مكاننا فهو أجمل من الدنيا كما نرى. وبالرغم من جمال المكان إلا أننا تمسكنا بخيار الحياة الدنيا فعدونا فوق الرمال لا نلوي على شيء ونحن نقطع المفازة برمالها الحارقة وجوها اللاهب شديد الحرارة. وبعد أن قطعنا نصف المسافة وتجاوزنا قبور الكفار، دخلنا وسط وادي عميق وضيق جداً وذي صخور كلسيه عالية تتشكل صخوره كوجوه أناس عرفناهم في الدنيا ويمتلئ الوادي بأشجار طلح متشابكة تحمل شوكاً كأنه رؤوس الشياطين. فأسرعنا الخطى أكثر فأكثر وفجأة ظهر خلفنا قطيع من الإبل السوداء ترمقنا بنظرات متوعدة وتعدوا خلفنا تريد أن تفتك بنا، فبدأنا بقراءة المعوذات ونحن نلهث وتكاد تنقطع أنفاسنا من وادي الشياطين المرعب ، فلما دنت منا العير وأوشكت أن تنهش رقابنا نفث عليها أخي فاندثرت كرمال واستوت على الأرض. فأكملنا عدونا نحو خط الحياة الدنيا وقبل أن نصلها بأمتار بسيطة سقط أخي منهكاً من التعب فعدت إليه أرجوه أن يكمل ما بقي من الطريق لأنه لم يبق سوى أمتار قليلة ونعود للحياة، إلا أنه لم يستطيع أن يتحرك من مكانه وبدأ يستغيث ويطلب الماء، ....أريد ماء، نديم لا تدعني أموت من العطش، أريد جرعة من الماء، حتى أنه صرخ بأعلى صوت فأحدث دوياً هائلا تردد صداه في جنبات وادي الشياطين،،،،، ،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،فصح وت مذعوراً من النوم على صوت استغاثته أتعوذ بالله من شر الشياطين ومن هذا الكبوس المرعب، وتحسست نفسي وسط ظلام الغرفة وسكونها والذي لا يقطعه سوى صوت قطرات المغذي التي تسقط رويدا رويدا، فاستعدت توازني وحمدت الله أنني ما زلت على قيد الحياة وأنه مجرد كابوس وسوف يهدأ روعي بعد قليل. وبالرغم من أني أدركت أني كنت أحلم طوال الوقت، بيد أن كلمات أخي التي ترددت في الحلم "أريد ماء، نديم سأموت من العطش، اسقني ماء أرجوك" لا زالت تتردد على مسمعي، فأنصت جيداً وإذا بي أسمع أخي هذه المرة يرددها حقيقة وسط الظلام وليس حلماً، فتحول خوفي ووجلي إلى بهجة وأضأت الأنوار وتفحصته وهو شبه نائم وتأكدت أنه الحياة قد دبت فيه من جديد، فهاهو يتمتم دون أن يشعر بتلك الكلمات، ،، فحمدت الله سبحانه الذي يحي العظام وهي رميم، وسقيته بالملعقة قليلا من الماء ثم طلبت الممرضات الذين وصلن على عجل وفحصنه وأخبروني بأنها لمعجزة كبيرة أن يعود للحياة وتظهر علامات الشفاء بسرعة كبيرة هكذا. مبروك يا نديم لقد انتهت الفترة الحرجة، وهذه أول بوادر الخير، فحمدت الله من أعماق قلبي وصليت ركعتين شكرا له عز وجل، وبعد أن أطمأنت أنه بخير عدت للأريكة أرقبه وأنا في غاية السعادة، ومن ثم غطيت في نوم عميق دون أحلام مرعبة هذه المرة.


صورة مصغرة لعيادة هارلي ستريت كلينك في لندن
http://www.vincihairclinic.com/image...Manchester.jpg


وبفضل من الله وبعد أيام معدودة بدأ أخي يستعيد وعيه ويفتح عينية ويتعرف على من حوله شيئاً فشيئاً، وكان في البداية يتحدث معنا وكأنه قد فقد بعض من عقله، فأول مرة تحدث فيها معي بعد أن استطاع التعرف علي، أمسك يدي بقوة وشد عليها ونظر لي نظرة غريبة وكأنه يراني لأول مرة ثم قال لي (واجعل لي وزيرا من أهلي هارون اخي اشدد به ازري)، فأستغربت من طريقته وسألت الطبيب عن ذلك فأخبرني بأنها بسبب المخدر الذي أعطي له لكي يساعده على تخفيف سكرات الموت، والآن سوف يتم تخفيضها حتى تسحب نهائيا ويعود طبيعيا مع مرور الوقت.

تحسن أخي تحسنا كبيرا وبدأ بجلسات العلاج الطبيعي التأهيلي لتقوية عضلات جسمة، فأستعاد قدرته على المشي بعكاز، وعاد فنمى شعر رأسه الذي تساقط بسبب العلاج الكيميائي، ثم استطاع بعد مدة بسيطة التخلص من العكاز والسير بتوازن لمسافات لا بأس بها وزادت مناعته حتى اقتربت من مناعة الانسان الطبيعي.

*****************************
خلال فترة تحسنه، تحسنت كذلك نفسياتنا وعادت لنا بعض البهجة التي فقدناها، ولقيت في أحد الأيام والدتي تتاجذب أطراف الحديث مع سميرة توفيق في صالة المستشفى وكانتا منسجمتان جدا في الحديث، فوالدتي قبل ما يسمى "بالصحوة" كانت مثل غيرها من النساء السعوديات في نهاية الستينات وبداية السبيعنات الميلادية، تحب التمثيليات البدوية وتحفظ أغاني سميرة توفيق الشهيرة كلها والتي كنا نحن كأطفال نحفضها كذلك ودوما نترنم بها جل أوقاتنا، مثل أغنية "لعين موليتين واثنعش مولية جسر الحديد إنقطع من دوس رجليَّ" و "بالله تصبوها القهوه وزيدوها هيل واسقوها للنشامى ع ظهور الخيل" و ” رف الحمام مغرد .. يا دادا مجوز ولا فرداوي .. يا دادا كنك ناوي يا حبيب .. يا دادا ترا انا قليبٌي ناوي وشلك بالعشب المرعي .. وشلك باللي يريدونه". فنادتني والدتي وأخبرتني بأن سميرة كانت ماخذه على خاطرها في أول لقاء لأنا تقريبا تجاهلناها عندما رحبت بنا بحرارة، ويومها كان أخي مريضا ولم نحفل بها، وبالرغم من أن والدتي اعتذرت منها وشرحت لها الظروف وتقبلت سميرة بكل حب ورضا ما قالته والدتي، إلا أن والدتي قالت يجب أن ندعوا سميرة لوليمة عندنا في الشقة لنرضي خاطرها. ويبدو أن والدتي أحبت سميرة الأنسانة قبل الفنانة، فحاولت أن تظهر أن الاعتذار منها هو حق قد ركبنا ويجب أن نقوم بالواجب، فسعدت بذلك لأنه أمر سيفرح والدتي وسيسري عنها ويغير من روتينها اليومي في زيارة المستشفى والتسوق من الأماكن الشعبية التي تعشقها.

تحدثت مع أبي عن دعوة سميرة فوافق بدوره، وبالرغم من أنه رجل متحفظ ووقور ويظهر الكثير من الكياسة أمامنا، بيد أنه يبدو لي بأن خبرات لبنان القديمة ظهرت فجأة "كرمال خاطر سميرة توفيق"، فقال ليس من المناسب يا إبني أن ندعوها لشقتنا المتواضعة، لكن من الأفضل أن نأخذها في جولة سياحية في نهر التيمز ونعمل لها غداء يليق بمقامها أثناء الرحلة. وفعلا لم يخب ظني، فبدلا من أن نحجز طاولة يتيمة في السفينة التي ذكرها أبي، تحجج بأنه يريد أن يكون هنالك خصوصية حتى تأخذ والدتي راحتها وحجز السفينة عن بكرة أبيها وأحضر غداء فخماً وخاصاً من مطعم فخر الدين مع ست مباشرات لبنانيات مثل لهطة القشطة. فكانت رحلة ممتعة حقا، فبجانب الطعام اللذيذ والخدمة الخمسة نجوم وسوالف سميرة البدوية الذربة وطيبتها وانسجام أمي الشديد معها وإعجاب سميرة بالقصائد التي قالتها أمي وقد دونت بعضها، فقد مررنا خلال الرحلة التي أقوم بها لأول مرة على مبنى البرلمان وساعة بيق بن ولندن القديمة "ازيلت الآن وتطورت إلى منطقة الدوكلاند" وأجملها لما رسينا عند الأصيل واتجهنا لكوخ عتيق ذي أضواء خافتة ونار مشتعلة عند مدخلة ويقع على رابية فوق الضفة الجنوبية من النهر. فجلسنا نرقب هدير مياه النهر الخلابة والذي تمخر فيه أنواع شتى من الفلك، وشربنا فيه القهوة قبل أن نعود أدراجنا نحو مبنى البرلمان. وهذا الكوخ كان قد اتخذه الأديب الكبير شكسبير سكنا له في لندن لفترة من الزمن عندما كان يعرض مسرحياته الخالدة في شارع شافتسبري افينيو، في منطقة الفنون والمسارح في الويست اند.


http://www.aawsat.com/2006/10/06/ima...ent.385991.jpg

سميرة توفيق
****************************

في ليلة الكريسماس "لاحظوا عدم وجود ترتيب زمني للأحداث، لأني أكتب الحدث عندما أتذكره فقط" كنت ذاهب لزيارة أخي، بعد أن سبقني والداي فركبت الباص رقم 7 من البايزوتر في بداية شارع الكوينز واي، وكنت ألبس بنطلون رياضة، وفي طريق الكوينز واي رأيت شخص ملامحة ليست بغريبة عني يميل للسمرة وشعره منكوش، حسبته انجليزي من أصول أفريقية يجلس في قهوة الفكر العربي ويشرب عصير كبس، تجاوزته ووصلت لمحطة الباصات مقابل حديقة كنجنستون بارك وركبت الباص اللندني العتيق الأحمر ذي الطابقين متجهاً نحو وسط أكسفورد ستريت، لأتوقف هنالك ومن ثم أمشي لمسافة بسيطة نحو المستشفى في هارلي ستريت. ولمن لم يحالفه الحظ ولم يركب باص لندن الأحمر العتيق ذي الطابقين، والذي توقف العمل به في 9 ديسمبر 2004 عند الساعة الواحدة ظهرا، سأشرح له بعض الذكريات الحلوة عنه، فباص لندن الأحمر الشهير ارتبط ارتباطاً وثيقاً بمدينة لندن مثله مثل أكشاك الهواتف العامة الحمراء منذ أكثر من خمسين سنة، فقد استخدم الباص الأحمر لأول مرة بطرازه العتيق في العام 1954، وأحبه الناس وأقبلوا عليه بشكله الفريد ذي الطابقين. كان باص لندن الأحمر مفتوح تماماً من ركن الجهة الخلفية اليسرى ولا يوجد فيه باب، إنما يوجد درجة بسيطة وعمود في مدخله ليسند الراكب في القفز للداخل والارتكاز على العمود لحفظ توزانه عند استقلال الباص، وكنت دوماً أفضل صعود سلمه الحلزوني وأجلس في الطابق الأعلى لأكتشف معالم الطريق أثناء تنقلي به. وبعد برهة من ركوب الباص كان يمر علينا الكمساري ومعه مكينة تذاكر ويسأل الراكب عن وجهته ومن ثم يعطيه وصل بعد أن يستلم ثمن الرحلة. عندما يرغب أحد بالنزول، هنالك جرس بزر أحمر موجود في الطابق الأول يضغطه الراكب مرة واحدة لطلب النزول، وبعد أن ينزل الراكب يقوم الكمساري بضغطه مرتين ليتحرك السائق، كنت أضغط مرة واحدة للنزول، وعندما أقفز للخارج أقوم بضغطه مرتين ليتحرك الباص فأغيظ بذلك الكمساري لأني أتدخل في عمله . لكن الآن الباصات الآن تعتمد على سائق واحد ويستخدم عادة الركاب بطاقة ذكية الكترونية للتنقل أو يدفع مسبقاً للرحلة من أجهزة أتوماتيكية توجد عند المحطة قبل استقلال الباص خاصة في وسط لندن.
هذه الصورة تم تصغيرها. اضغط هنا لعرض الصورة الكاملة. حجم الصورة الأصلي 800x571 و مساحتها 145كيلوبايت.



http://citytransport.info/PhotoCD/0376_63a.jpg

باص لندن العتيق

في رحلتي لأخي في تلك الليلة في الباص رقم 7، كنت منشكحا على الآخر وأنا أقرأ الصحيفة في الباص وعندما وصلت اكسفورد سيركس نزلت عند المحطة المقصودة بعد أن ضغطت الزر مرة واحدة للنزول، ومرتين حتى يتحرك الباص، ومن شدة البرد وضعت يداي في جيبي ولكني اكتشفت ويا للهول بأن مفتاح الشقة غير موجود في جيبي ، وأعتقد بأن ذلك حدث بسبب انشكاحي للأخر على مقعد الباص، فصعقت من المصيبة التي وقعت بها لأنه لا يوجد لدي مفتاح احتياطي فعدوت من الخرعة نحو الباص الذي نزلت للتو منه فسبقته وسبقت الذي قبله والذي قبل إلي قبله، لأن هنالك عادة أكثر من باص يحمل الرقم 7، يخدم نفس الخط ويفصل بينهما دقائق معدودة، وتوقفت بعد ذلك عن العدو لأني خفت أن أخرج بسبب ركضي المتواصل عن حدود لندن أو أني من الممكن لو استمريت في العدو أن أغرق في بحر المانش الذي يفصل بريطانيا عن فرنسا ، فأنتظرت الباصات عند أحد المحطات المتقدمة وبدأت بايقافها بكل قوة عين واحداً تلو الأخر وفتشتها جميعا أمام دهشة الكمساري والسائق وخوف الركاب من البلطجة إلي ما يقدر يقوم بها حتى رجل البوليس الانجليزي، ولكن للأسف لم أجد أثرا للمفتاح. عدت للمستشفى قافلة وياي واتصلت على جوال أبي وأنا في الطريق وأخبرته بالمصيبة الي حصلت وأني ضيعت مفتاح الشقة ولازم نروح فندق حتى الغد لين يحلها ألف حلال،،،،،أووووووووبس ،،،،،لحظة يا شباب، شلون مشت عليكم الشلخة،،، خخخخخخخ "كلمت أبي بالجوال ،،،،إذا أنتم مركزين صح، ترى القصة صايرة في العام 1984، يعني حتى البيجر ما كان موجود!!!!، ،،،، ما عليه واحد صفر عليكم، تصدقون كل شيء، بس الحقيقة إني وصلت المستشفى وأخبرت والدي بما حدث، وكانت موجودة معنا ممرضة اسمها مسز قراث، فقالت بكل بساطة مادمت بالليل ولا يوجد محل مفاتيح اتصل بالمطافيء وسوف يفتحون لك الباب. وفعلا اتصلت بهم وأعطيتهم العنوان وطلبوا من التواجد خلال نصف ساعة وذهبنا هنالك وبكل بساطة فتحوا الباب، ووصلت رسالة لنا بعد أسبوعين بأن الخدمة مجانية بمناسبة أعياد الميلاد،،،،،،واكتشفت إن الماراثون إلي سويته وتفتيش الباصات وتعطيل الأوادم إلي رايحين يحتفلون بأعياد الكريسماس ما كان يسوى علي،،،،والمسالة مافي أبسط منها،،،،،، بس تسلمون والله يا مطافي لندن وشكرا على العيدية الحلوة .


معليش شطحت فيكم شوي، بس برجع وأقولكم عن صاحبنا إلي كان في مقهى الفكر العربي، فقد كنت أسير مرة أخرى في شارع الكوينزواي، بعد نحو خمسة أيام، وكانت تلك الليلة هي ليلة رأس السنة الجديدة ورأني نفس الشخص الموجود في قهوة الفكر العربي الأسمراني أبو كشة، وانتبه لي، لأنه يبدو أنه لم يكثر بعد من عصير الكبس، وناداني بالعربي .....نادم....نديم، لو سمحت يا أخ، إنت اسمك نادم، قلت لا، لا، أنا اسمي نديم، ورحب بي بشدة واكتشفت أثناء الحديث معه بأنه أخ أحد أصدقائي في الدمام وسبق أن تقابلنا بس هو عرفني وأنا ما عرفته، كان اسم الشخص "عباس صخونة" وهو يدرس اللغة الانجليزية ويتصرمح في لندن منذ ستة أشهر، سالني وين رايح، قلت بروح حفل معلاق،، ، قصدي رأس السنة الجديدة في الترافلقار سكوير، قال زين بجي معاك بس تعال خلني أكمل قهوتي. وبدأ الرجال يشرب العصير حتى الثمالة، وبعدين مشينا لمحل الاحتفال في ساحة الحمام زي ما يسمونه العرب، وكان عدد المحتفلين حوالي مئة ألف. كان الكل سعيداً ويغني ويرقص وهم ينتظرون آخر عشرة ثوان من السنة الحالية ليقوموا مع دقات ساعة "بيغ بين" وساعة كنيسة "تشرينق كروس" القريبة من موقع الحفل بحساب تلك الثواني العشر الأخيرة حتى تدق آخر ثانية فيعلن دخول السنة الجديدة ويبدأ الاحتفال والقبلات والأحضان والصخب والهيستيريا الجماعية واختلاط الحابل بالنابل والألعاب النارية والتمنيات بسنة سعيدة. وتذكرت خلال دقات الثواني العشر الأخيرة لساعة "بق بن" التي كانت تعلن من خلال طنينها الهادر اسدال الستار عن العام 1984، ومولد العام الجديد 1985، تذكرت، ولا أعلم لماذا ، تلك الأغنية الخالدة التي كنت أسمعها قسرا من "غصب وان" والتي أصبحت من مراسم كل عيد " مـن الـعـايـديـن .. ومـن الـفـايـزيـن .. إن شـاء الـلـه،،، مـن الـعـايـديـن .. ومـن الـفـايـزيـن .. إن شـاء الـلـه "، فلله درها من أغنية، فمنذ أن ظهرت تغير أكثر من أربعة وزراء إعلام ولم تتغير ولم يتبدل لحنها ولم يودها مطرب آخر ولم يعمل لها فيديو كليب وكأنها من المسلمات التي لا نقاش فيها، فبقيت كاتمة على أنفاسنا ولاحول ولا قوة إلا بالله. ولسوء الطالع أو النازل، لافرق، فإن بعض أصدقائي عندما يأتي العيد يحولها نغمة لجواله. وخلال آخر خمسة ثواني لدقات ساعة "بيق بن" تذكرت كذلك عيدنا المليئ بتصنع الابتسامة وعبارات المحبة والترحيب المككرة، فلا شيء يميز العيد لدينا...سوى الاسهاب بالمجاملات....وكثرة السؤال عن الحال ....، ومظاهر الاحتفال لدينا سيارات محملة بالبطانيات والعفش تجوب الطرق السريعة بين المدن، إلي في الشرق يروح الغرب والشمال للجنوب والعكس، فعيدٌ بأيّةِ حالٍ عُدتَ يا عيدُ, بمَا مَضَى أمْ بأمْرٍ فيكَ تجْديدُ.

وعندما بدأت السنة الجديدة، يبدو أن صاحبنا "عباس صخونة" قد خرج عن طوره تماما مثله مثل بقية الناس من حوله، فقام بكل صفاقة بعمل حركة غريبة للاحتفال بطريقته الخاصة وسط الزحمة، فكان كلما مرينا من جانب حشد من البشر أعطاهم شلوت سريع ومن ثم يلتفت نحوي بخفة وكأنه يتحدث معي وليس له علاقة بمن فعل الشلوت، طبعا محد عرف إنه هو الي يعطي شلوت لأنه يسويها بحركة احترافية رغم انه خارج وعيه، وبصراحة شاركته مرتين أو ثلاث باعطاء الشلاليت بعد ما عجبتني الشغلة، لكن في آخر مرة تصوروا وش سوا "عباس صخونة" وبغباء منقطع النظير شات له واحد عسكري انجليزي عكنف طوله مترين من غير حساب طول الطاقية، ومن هول المفاجأة والصدمة من تصرفه الأرعن صرخت بلهجة دمامية بائسة "بلللللللللللل بللللللل بلللللل"، وانتبه الشرطي لي وأنا أتأسى على ما سيغدو عليه حالنا لا محالة بالرغم من حذر "عباس صخونة" فعرف أننا نحن من أعطاه الشلوت المحترم فقبض علينا من رقابنا وقذف بنا في البقس بتاعهم وعلى طول إلى مركز البوليس إلي في "بادنقتون" وحشرنا لساعات مع السكارى والبلطجية، وهي أول مرة بحياتي أدخل فيها قسم بوليس كمدان. وبسبب كثرة الموقوفين تلك الليلة أخذوا عناويننا وأطلقوا سراحنا، وبعد نحو ثلاثة أسابيع استدعونا للمحكمة وحكموا على بأن أكتب عشرين صفحة، لثلاثة أيام، وفي كل صفحة أكتب" أنا أحترم رجال البوليس"، أما "عباس سخونة" فلأنه الفاعل، فقد حكم عليه بغسل درج ساحة الحمام لمدة ثلاث ساعات ولثلاثة أيام، أختارها عباس لتكون أيام الجمعة والسبت والأحد سحبة واحدة بعد أن اشترى له مكنسة ومساحة وسطل وعلبة تايد.

http://by119w.bay119.mail.live.com/a...C5E6842710E0||



ساحة الطرف الأغر "الترافلقار سكوير" بعد أن انتهاء الحكم علينا

يتبع

منصور العبدالله 28-05-2010 07:46 AM

رد : مـــــــــــــــــذكراتــــي اللــــــــــــــندنــــــــية
 
السلام عليكم ورحمة الله

اهلا اخي نديم الهوى


ساعات من الخوف والقلق والتوتر على ماسيئول له أخاك


وبدأت تفرج من اضيق الحدود


ولله الحمد


تابعتها بكابوس اسود وكأن يعكس واقع رأيت بعض منه


والحمد لله ان زال عنة وعفى




واكملها عباس بأفعاله وبانتظار الافراج عنكم في الحلقة القادمة


وفقك الله اخوي نديم الهوى


حقيقة حلقات رائعة موثقة بالمواقف السعيدة والحزينه والصور والاحداث



تابع وفقك الله ايها المبدع



دعواتي لك اخوي الغالي نديم الهوى


في رعايه الله

نديم الهوى 28-05-2010 09:38 AM

رد : مـــــــــــــــــذكراتــــي اللــــــــــــــندنــــــــية
 
الحلقة السادسة عشر



في أحد ليالي الخريف الباردة والمعتمة كنت عائداً من زيارة أخي سيراً على الأقدام من شارع هارلي ستريت متجهاً إلى شقتنا في شارع الكوينز واي، حيث يبعد المستشفى عن السكن نحو ستة كيلومترات وكنت أقطع المسافة في أقل من 35 من السير الحثيث، وفي أحيان كثيرة كنت أستقل الباص اللندني الأحمر العتيق رقم 23 أو رقم 7 أو رقم 23، المتجه نحو الغرب بإتجاه السكن، وإن كنت مستعجلاً فأركب الأندرقرواند من أكسفورد سيركس واستخدام السنترال لاين ذي اللون الأحمر نحو محطة ماربل آرش ومن ثم محطة لانكستر قيت وأتوقف عند غايتي في محطة الكوينزواي.


http://up.graaam.com/uploads/images/...e7ec687eae.jpg


شارع الكوينز واي



وشبكة قطارات الأندرقراوند (قطارات تسير تحت الأرض) هي اﻷقدم على مستوى العالم، إذا أستثنينا نفق الدمام بالطبع والذي يقال أنه دخل موسوعة جنيس للأرقام القياسية في مدة بنائه والله المستعان. ويعود تاريخ انشاء الأندرقراوند إلى عام 1863م، ومجموع طول الشبكة يصل 415 كم. وأهم المحطات الرئيسية هي محطة تشارينغ كروس (Charing Cross)، ومحطة أوستون (Euston)ومحطة كنغس كروس (King's Cross) ومحطة ليفربول ستريت (Liverpool Street) ، ومحطة بادينغتون (Paddington)، ومحطة سانت بانكراس (St Pancras)، ومحطة فيكتوريا (Victoria) ومحطة واترلو (Waterloo) ومحطة لندن بريدج (London Bridge)..



http://www.essential-architecture.co...on_Station.jpg.

محطة بادنقتون في لندن


في تلك الليلة كنت قد عزمت الأمر على ركوب الأندرقراوند نظراً لبرودة الجو وكانت الساعة تشير إلى التاسعة والنصف مساءً، سرت حتى وصلت بوابة محطة أكسفورد سيركس، ولكن قبل أن أدخل إلى المحطة غيرت رأيي في آخر لحظة عند العتبة بالضبط، وقلت لنفسي سأسير على قدماي ما دمت ألبس ملابس شتوية مناسبة كي أعرج بطريقي إلى ادجور رود ومن ثم أقرر هل أركب الباص أم أكمل السير على قدماي من هناك. كنت رغم صغر سني أسير لوحدي في الليل وأحب أن أسلك الشوراع الجانبية المعتمة في طريق الذهاب أو العودة للمستشفى وأمر بجوار البارات والنوادي الليلية الخلفية والمواخير الخطرة ولم أفكر يوماً بأن ذلك ليس من الحكمة بشيء من ناحية الأمان، لم أشعر ولو مرة واحدة بالخوف من المكان الذي أنا فيه إلا عندما تواجدت في نوتنقهيل قيت، المنطقة التي يوجد بها منزل بوب مارلي، فتلك المنطقة موحشة بالفعل، وأجسام الزنوج لا يمكن التعامل معها عندما يحمى ا****************س، ولا يمكن كذلك الفرار منهم إذا لزمت الحاجة فهم مشهورين بالسرعة في العدو، فأين المفر؟؟. والشجاعة هذه أو الجرأة لم أكسبها من مدينة الدمام الوادعة، بل اكتسبتها من نشأتي المبكرة في مدينة الطايف، فقد كنا نسكن في حارة اسمها الريان وكان منزلنا مقابل المقبرة تماماً والتي كنا نلهو حولها في الليل ونتحدى بعضنا في الطرق على جدارها الطيني والاختفاء بين القبور أثناء اللعب ، وأهل الطايف شجعان بطبعهم وإن لم تكن ذئباً بينهم أكلتك الأسود هناك. كنت وكان غيري والذين لم تتجاوز أعمارهم الثالثة عشرة في الطايف نحمل السكاكين في طيات ملابسنا طوال الوقت، وإن غلبت الروم نحمل مفكات البراغي . أذكر مرة من المواقف الطريفة عندما كنا صغار في السن لم تكن البقالات تبيع الخبز كما هو حاصل الآن، بل يوجد "تماس" أي خباز في بعض الحارات يتجه له الناس في الصباح والمساء، أما وقت الظهيرة فالعادة تعمل ربة البيت الخبز الخاص بالمنزل. كان "التماس واسمه العم حاتم اليماني" يوجد في الحارة المقابلة لحارتنا وتسمى حارة الجعدة، وهم قبيلة كاملة وكريمة تسكن في حي واحد، وإذا تعاركوا مع أحد يخرج الرجال والنساء والأطفال عن بكرة أبيهم وتشتعل المعركة ويحمى ا****************س فويلاً لمن كان الضحية ، قد تحسبوني أبالغ في نقل الصورة، لكن والله هذا ما كان يحدث في تلك الأيام وقد لحقت على الكثير من تلك المضاربات واشتركت في اثنتين منها على ما أذكر،. كنا عندما نريد شراء الخبز من حارة الجعدة نذهب سوياً مع مجموعة من شباب الريان ومعنا المفكات والسكاكين وجنازير السياكل ونشتري الخبز بكل حذر وعادة يكون وقت شراء الخبز هدنة بين جميع الأطراف وتتوقف أعمال القصف ويقل خرق الهدنة إلا ما ندر ولم يفرض علينا حصار اقتصادي في أية لحظة من قبل قبيلة الجعدة لظروف انسانية على ما يبدو.

http://www.imageurlhost.com/images/0...zj9pygtxqr.jpg

صورة قديمة لمدينة الطائف

في يوم من الأيام كان معي أخي الذي يصغرني سنا، وهو الآن تاجر كبير جداً في أمريكا يحصد ملايين الدولارات من عمله في مجال الإنشاءات في ولاية كلورادو وتعدت ثروته ثروت أبي في وقت قياسي، كنا عائدين متأخرين بعض الشيء صباح الجمعة فلاحظ أخي وجود بعض أطفال الجعدة مندسين خلف أحد السيارات فصاح بأعلى صوته "كمممممممممممين " فعدونا للمنطقة الخضراء لننفذ بجلودنا حتى أنا سبقنا ظلنا من سرعة العدو، وأنا أرفع سروالي من الخلف لأني ضعيف جداً وأخي يرفع سراوله من الأمام لأنه بدين بعض الشيء ، وعندما وصلنا لحدود المنطقة الآمنة شاهدنا المرحوم "غازي العشي" فسقط على ظهره من الضحك علينا وفضحنا في الحارة أمام أصدقائنا وقال "كان واحد يرفع سرواله من قدام والثاني من من ورا ومرعوبين وهم يجرون"، "غازي العشي" توفي لاحقاً في حادثة قصر أفراح الطايف الشهير الذي سقط على النساء عندما دخل لإنقاذ الأطفال والنساء وبعد أن أنقذ أكثر من عشرين نفس سقط عليه الجدار وتوفي رحمه الله . كذلك أذكر مرة تعاركت مع واحد اسمه "القرص" مشهور بالقوة والشجاعة والغباء بنفس الوقت، وهو من عائلة الحربي في حارة الريان، وهنالك أكثر من عائلة نسبها الحربي في حارتنا ، جميعهم يتحدثون اللهجة المصرية ، أزيك، أخبار الحقة ايه، يا راقل وإذا قعدت عندهم ساعة أو ساعتين وجيت ماشي يقولن لك "ما تشرب الشاي، الشاي ع النار (والنبي) ع النار" ، يعني كلام مصري مية في المية، بس أصلهم سعوديين عاشوا في مصر أيام العدم وعادوا للسعودية أيام الملك سعود. القرص هذا لم جيت أتخانق معاه طلعت المفك من جيبي و يازعط كنت ناوي أضربه على كتفه، قسم بالله يا جماعة الخير مسك المفك وبيد واحدة من غير ما يستخدم اليد الثانية كسر المفك بين أصابعة وقالي وش رايك الحين يا أبو ندم؟؟؟!!! ، والحمد لله قبل ما يهبدني بيديه الأخرى إلي مثل الصبة طلع أبوه من بيتهم وقال "تعال يا حمار يابن الحمار عامل راقل على عيل صغير ادخل قوى البيت يا ابن الك،،،،،،خخخ". القرص هذا لم يهجده أحد ويكسر عينه سوى ابن عمه عبد المنعم، إلي كان عنده سيارة كورلا غريبة صفراء تفحط من الكفرات الأمامية عكس جميع السيارات وفي البيبان الداخلية يعلق صور جميع الممثلات من فاتن حمامة وسميرة توفيق والهام يونس وشريفة فاضل.

وفي لندن لم أتعرض لمحاولة سرقة أو اعتداء رغم طيشي في السير في الأماكن الخلفية من الشوارع طوال السنة والنصف سوى مرة واحدة، فقد كنت قادماً من عند صديق في شارع اسمه موسكوس رود، يتفرع من عند محل البيتزا إلي في الكوينز واي، مقابل ماكدونالدز الآن (كان برقر كينق في السابق). كنت أسير من الاتجاه المعاكس لماكدونالدز، وخارج البار كان يقف شاب انجليزي أصلع الرأس وأبهص الوجه وأطول مني بقليل وعليه صحة ماشاء الله تبارك الله، سلم علي بلقافة وقال وين رايح، رديت عليه السلام وقلت مهو شغلك وين رايح، وعلى طول تحولت نظرته نحو جيب بنطلوني إلي فيه المحفظة، وقال تعطيني فلوس وإلا ما خليك تمشي من هنا، فلوسك أو حياتك!!!!، وبدون مقدمات أعطيته بقس في وجهه بدل المحفظة وجيت بعطيه بقس ثاني قبل أن أهرب من المكان أو يأتيه المدد من داخل البار، لكنه ترنح بسبب الضربة وبسبب إنه سكران طينة، وحطيت رجلي وما وقفت إلا لما وصلت عند أنوار المطاعم في الكوينز واي.

أعود لكم لحكاية الأندرقرواند في تلك الليلة، فلله الحمد لم أركبه وأكملت طريقي سيراً وأخذت عشاء من مطعم يوناني وأتذكر وجبة العشاء إلى الآن واسمها "كلفتكو". في اليوم التالي قرأت صحيفة الاستندارد، ويا للمفاجئة، فقد اشتعل حريق كبير ليلة البارحة في محطة الأندرقرواند في أكسفورد ستريت في الساعة التاسعة والنصف، وهو نفس الوقت الذي كنت أنوي ركوب الأندرقراوند فيه ومات في تلك الحادثة المأساوية عشرة أشخاص، وكان سبب الحريق هو عقب سجارة أحد الركاب كما بينت التحقيقات اللاحقة، لذلك منع في تلك السنة التدخين في القطارات الأرضية بسبب تلك الحادثة. حمدت الله أن نجاني من ركوب القطار في تلك الليلة المشؤومة وأطلعت أخي على الخبر في الصحيفة وأخبرته كيف أني غيرت رأيي في آخر لحظة وكيف نجاني الله بأن لا أكون معهم أثناء الحريق، فتعجب من ذلك وحمد الله وقال لي يجب أن تشكر الله وتتصدق فقد كتب لك عمر جديد، والإنسان لا يظمن متى يأتي الموت. ولكني وبرغم تقصيري كأي إنسان وسطي، أحس دوماً أن العناية الإلهية تحرسني كما حرستني في هذه المرة ومرات أكثر، ليس لكثرة طاعة والله المستعان ولكن لأمور أخرى الله وحده أعلم بها.

في الأيام التالية آثرت عدم ركوب القطار أو حتى الباص كذلك وكنت أعود للمنزل سيراً على الأقدام وهي الهواية التي أحبها كثيراً وأمنيتي التي تدور في رأسي منذ مدة أن أسير على قدماي من مدينة الخبر حتى أصل إلى لندن يوما ما. وفي أحد الأيام وأنا عائد للشقة من الشوارع الخلفية كالعادة مررت بشارع وقمور ستريت ثمً بورتمان سكوير وتجاوزت فندق تشرشل حتى وصلت لإدجورود، ولم يكن هنالك الكثير من العرب في لندن خاصة في فصل الخريف، وحتى المهاجرين لم يكونوا سوى أقلية قليلة لم تتوالد بعد ولم تكثر من الحرث والنسل، فكان وجود أي عربي يلفت النظر وإن كانت إمرأة عربية فهذه حكاية أخرى يطول شرحها!!، كانت لدي كأي سعودي فاضي ومشفوح رادار متقدم يكشف عن وجود أي فتاة خليجية تسبح في مجاله الجوي ويفرزها عن غيرها حتى لو كانت تسير وسط مبنى الأمم المتحدة . فعندما دخلت شارع ادجورود وقلت يا هادي لاحظت في الجهة المقابلة على بعد خمسمائة متر تقريبا فتاة كعود الخيزرانة تمشي الهوينا بعبائتها المطرزة نحو محل خضار هندي، فاشتغلت جميع أجهزة الإستشعار عن بعد وعن قرب وتوجهت نحو المحل وتظاهرت بأني أنوي شراء كيلو كوسة . أقتربت منها وكانت مشغولة بشراء بعض الحلويات، فلاحظتني وعرفت أني خليجي، فمشت أمامي بدلال وغنج واضح فرميت أبو الكوسة في الفريزر وقلت يا عمي هو أنا بتاع كوسة ، وسلمت عليها وردت بخجل وبصوت كامل الأنوثة، بلعت ريقي وقلت منورة والله لندن كيفك، أنا أخوك نديم من السعودية، ممكن نتعرف عليك،،، صمتت بعض الشيء ثم قالت بهدوء اسمي "شفاء وأنا من دار الحي". سألتها وش جايبكم الحين، أول مرة أشوف ناس جايين لندن في الخريف، ردت قالت حنا نجي نتسوق مرة في الخريف ومرة في الربيع غير الصيف إلي نقضي معظمه هنا في لندن، وأخبرتني بأن لديهم شقة في العمارة التي فوق المحل واسمها "ووتر قاردن". تمنيت لها السلامة وأعطيتها رقمي وقلت لها أنا مرافق أخوي للعلاج وإذا احتجت أي شيء هذا رقم الشقة، في أي وقت (ترقيم الثمانينات). باي شفاء،،،، باي نديم،،،،، .



في عصر اليوم التالي كنت سائر في نفس المكان في ادجوررود وفجأة سمعت من ينادي " نديم،،،نديم""نظرت للأعلى ورأيت فتاتين في الدور الثالث، فسألتني إحداهن على استحياء إنت نديم إلي البارح، قلت نعم أنا نديم، وإنت شفاء صح، قالت ايه،،، تعال اطلع عندنا من خلف العمارة شقة رقم ؟؟؟، طلعت الشقة وعرفتني على أمها "أم خماس" وأختها "شمة" ولم يكن معهم رجل (جميع الأسماء مستعارة هنا)، كانت عائلة طيبة وثرية، بدوية يبدو أن الحضارة فاجأتها على حين غرة فبدت كالغراب الذي قلد الحمامة فضيع مشيته ومشية الحمامة، لهجتهم بدوية، لبسهم بدوي على افرنجي، عباية فوق البنطلون الضيق أو التنورة القصيرة، والأم تلبس بطولة "برقع"، يسرحون ويمروحون في لندن وفي كل سوق ويهيمون
.
في اليوم الأول سوت أمهم أم خماس أكلة شعبية اسمها "الخبيص" وقالت "بنسير عند أخوك ونغديه" قلت وين يا عمي عند أخوي، تبين توديني في داهية، أخوي مطوع بنروح له بيتضايق، خليني آخذ الخبيص وأنا أوصله دليفري له، بس تسلم يدينك والله، رحت لخوي واستانس عليه وقصيت عليه، قلت جيرانا طلعوا من دار الحي وطبخوا لنا من غداهم وهذي ذواقتك.

شفاء كانت فتاة جميلة جمال إيراني، أقصر مني بعض الشيء، شعرها أسود داكن وجميل وتشبه الممثلة اللبنانية الأمريكية سلمى حايك، لا تضع أي نوع من أنواع الميك آب، سوى كحل خفيف على عينيها البراقتان وهي لا تحتاج لأكثر من ذلك كي تبدو جذابة، ابتسامتها رقيقة جداً، تبتسم بهدوء لتظهر أسنان جميلة براقة، وتفكر لبرهة قبل أن تجيب على أي سؤال فيزيد ذلك من سحرها ورقتها، ففيها الكثير من الحلم والتؤدة، ملت إليها كثيراً وأصبحت صورتها لا تغيب عني لحظة واحدة طوال الوقت، وقد تكون هي الحب الأول في حياتي، وهي كذلك سرعان ما بادلتني الحب، كنا نقضي سوياً ساعات كثيرة في التسوق والغداء والعشاء في الخارج وأجمل الأوقات في حديقة جيمس بارك التي تحبها والتي تقع بطريق قصر الملكة اليزابث الثانية.

وفي أحد الأيام قلت لها سوف نذهب لأمباير كلوب والذي يقع في ساحة الليستر سكوير وكانت أم خماس تلبس عبائة وبطولة وتريد أن ترافقنا للكلوب فأخبرتها أن ذلك غير مناسب لها أبداً إذا كانت ترتدي العبائة، فردت "والله ما أعقها، أنا لي عشرين سنة وأنا أجي لندن وماعمري عقيتها" عشرين سنة يا أم خماس، يعني لو نقصناها من عام 84 بنوصل للعام 64، يا الله حسن الخاتمة وبس، وش أسوي معاها هذي، المهم رحنا وجات بالبطولة والعباية. كان كل من كلوب الإمباير وسترينق فالو وكلوب الهيبدروم من الكلوبات الراقية جداً ولا يدخلها كل من هب ودب، فزبائنها تلك الأيام عادة الطبقة الوسطى والعليا، لكن الطبقة ما تحت المتوسطة أو الدنيا نادرة ما يسمح لها بارتياد تلك الأماكن كما هو الحاصل الآن، في المدخل كانت النادلات الجميلات يستقبلن الزبائن بملابس "أرنبية" ونسلم لهن البلوفرات والجاكتات، ثم ننزل لأسفل نحو المطعم وتجمع الزبائن، فأقتربت إحداهن من أم خماس وتوقعت أنها سوف تعطيها هذا اللباس الغريب فكادت أن تحدث معركة بينهن لأن البنت الإنجليزية رأسها وألف سيف ما تنزل أم خماس بالعباية والبطولة لأنها أعتبرتها مثل البلوفر ويسري عليها القانون كغيرها. حلينا المشكلة بعد جهد خرافي قبل ما يقفل الملهى بساعتين فقط. ويا فرحة ما تمت، بعد حوالي نصف ساعة أتت أم خماس تصيح وسط أصوات الموسيقى العالية من رجل انجليزي أعجب ببناجرها وخافت أن يسرقها منها ودعتنا للخروج، خرجنا وأركبناها تكسي أسود مثل حظنا المهبب وشحناها لشقتها وأكملنا السهرة في كلوب آخر في الطابق العشرين في فندق الهيلتون في البارك لين.

مع مرور الأيام أحببت شفاء حباً حقيقياً وهمت بها هيام تمكن من كل سكناتي،،،،،ولن أسترسل هنا لأسباب كثيرة، وهي بدورها بادلتني الحب واستطاعت أن تمدد اجازتهم من ثلاثة أسابيع لخمسة وخمسين يوم كما أذكر، وعندما سافرت إلى بلادها وتركتني وحيداً خلفها اكتئبت لأول مرة في حياتي وأحسست بلوعة الفراق وأصبح في حلقي غصة حقيقية وتغيرت معالم وجهي فأصبحت أكثر شحوباً أسير من غير هدى، وشعرت بأن لندن مدينة أغلقت أبوابها في وجهي وأني أسير والله وحيد رغم زحمة الناس من حولي، أذهب للهايدبارك أرى الأشجار والنهر الذي كنت أحبه فأشعر أنه قد تحول لنهر رتيب ممل والأشجار المتهادية الجميلة الخضراء اليانعة وكأنها أعجاز نخل خاوية، لم أعد أحب شيء، كنت لا أكل حتى الطعام، وعندما يشتد بي الجو ولكي أبقى على قيد الحياة أشتري شاورما من رنوش وأحاول أكلها فتنسد نفسي عن الطعام حينما أشتم رائحته. كنت دوماً أسير وأترنم وحيداً بأغنية عبد الكريم عبد القادر " غريب،،، غريب،،،،، غريب،،،،أمشي وبقلبي حزن، أمشي وبقلبي ألم" والأغنية الأخرى التي كان يغنيها راشد الماجد عندما كنا صغار " راح وخلاني وحيد، راح وخلاني حزين، يا حبيبي أهواك وعمري فداك،،،، ودي أسأل والله أسأل على حبيبي إلي راح". وأخذت القلم وكتب بها قصيدة تقطر حزنا ودموعاً كعادتي عندما تسيطير علي فكرة وتتمكن مني، وأريتها لرئيس تحرير صحيفة عربية قومية تصدر من لندن تسمى"العرب" واسمه رئيس التحرير الحاج أحمد الهويني، وكان يجلس في العصريات مع شلة النصب والاحتيال والأفاكين وأنصاف المثقفين في "قهوة الفكر العربي" فأعجب بالقصيدة، وقال سأنشرها ولكن سوف أغير أي كلمة تشير إلى "دار الحي" لأسباب شرحها لي، فوافقت على نصيحته، وفعلا نشرها بعد أن زينها بالصور والرسومات فظهرت معبرة جداً وأخذت أكثر من نسخة من الجريدة وارسلتها بالبريد إلى شفاء على عنوانها في دار الحي فقرأتها وارسلت لي الجواب رسالة فارغة فيها ق ب ل؟؟؟؟ حمراء فقط.

كانت هذه أول مرة يدق فيها قلبي ويفتح على مصرعية لحب حقيقي، ولكني أذكر عندما كنت صغيراً وأنا في الرابعة ابتدائي في مدينة الطايف، وكان يأتي في الصيف أيام الملك خالد يرحمه الله، وقبله الملك فيصل الكثير من المصطافين الذين كنا نطلق عليه اسم "الشروق" لأنهم يأتون من ناحية الشرق. وسكن في البيت الملاصق لنا أحد هؤلاء الشروق، وبالرغم من أن عمري كان نحو عشرة سنوات فقط، إلا أن قلبي دق على خفيف لبنت رائعة الجمال من بنات الشروق والتي بدورها عطتني وجه فنادتني في صباح يوم باكر وأنا أنظر لها من فوق السطوح، فأتيت عند بابهم وأعطتني "فش فاش، وعلك فلكس واجن وميرندا قزاز، وقالت لا تنس ترجع القارورة"خخخخ، كان هديتها عبارة عن عربون حب وصداقة، رحت بيتنا وأهلي نايمين وفكرت وش أعطيهاهدية، فكيت الثلاجة ما فيه إلا لحم وبامية وأدوية كحة وتحاميل خخخخ، رحت للدور الثاني لقيت أخوي إلي كان يدرس في أمريكا في السبعينات الميلادية جايب عطر حلاقة أولدسبايس old spice، قلت يا ولد ما فيه إلا هذي الهدية إلي بتخليها تموت في حبي، وفعلا أعطيتها الهدية بعد ما حطيتها في كيس مكتوب عليه "محلات بادغيش للملابس النسائية، فرع الطايف" وشكرتني وقالت ما فيه داعي تكلف على نفسك وأعطتني فش فاش ثاني لأنها تأكدت بأني مخلص بالحب، ورجعت لها قارورة الميرندا، خخخخ.

شفاء قابلتها أكثر مرة في لندن بعد ذلك، مرة أخرى أثناء علاج أخي، ومرات أخرى في زيارات مختلفة حتى رأيتها ومعها أحد أطفالها فأبتعدت عنها ونسيتها أو تناسيتها ودارت الأيام والسنوات وبعد أكثر من عشرين سنة كنت أتناول الطعام مع صديق في مطعم الحمراء في الماي فير بجوار السفارة السعودية وكان أمامي صبية جميلة تشبه شفاء ومعاه أمها وتلبس عباية وبطولة، فقلت في نفسي سبحان الله كأنها شفاء وأمها "أم خماس" أيام الثمانينات، وعندما بدأت الأم بتناول الطعام أزاحت البطولة ونظرت نحوها وللمفاجأة كانت هي شفاء وهذي هي بنتها إذن ،!!!فقد كبرت وأصبحت تشبهها في شبابها، لكن شفاء كبرت أسرع من اللازم وقد زاد وزنها وأصبحت "أم خماس" نسخة معدلة واكتفت بالابتسامة لي وأنا كذلك وكأننا لم نلتقي يوما ما،،،،،ولم أستطيع بعد عشرين سنة عندما رايتها أن اكمال طعامي ذلك اليوم، لأني تذكرتها عندما سافرت وتركتني وحيداً خلفها فكنت أمد يدي للطعام حينها فتمنعني لوعة الفراق من ذلك.

http://t0.gstatic.com/images?q=tbn:F...9-umtko1i0.jpg

ألم الفراق

************************************************** ********************************

وبعيد عن الحب وسنينة سأختم لكم اليوم بقصة طريفة حصلت لي لاحقاً مع القاضي الذي حكم علي بكتابة عشرين صفحة "أنا أحترم رجل البلويس" وحكم على صاحبي "بغسل درج ساحة الحمام لمدة ثلاثة أيام"، فقد رأيت ذلك الرجل الطيب في صيدلية بوتس ولم أعرفه لأنه كان يرتدي في المحكمة باروكة بيضاء، وهي تقليد بريطاني يعمل به منذ نحو 300 سنة لإضافة الهيبة والوقار للقاضي، فتبسم لي وحياني فحييته وعرفني وقال كيفك أيها الشاب الصغير أرجو أن لا أكون قسوت عليك في الحكم، فقلت له كلا الحكم كان جداً بناء ويذكرني دوماً بأن أحترم رجال البوليس. ودعوته لتناول القهوة فوافق وقال ليس بيننا قضية الآن ولا يوجد مانع مهني من أن ألبي دعوتك، وفعلا تشرفت كثيراً بمعرفته واستفدت من طريقة إدارته للحوار ونظرته للأمور وتواضعه، وحدثني أنه يحب الشرق وسحره وقد عمل في كل من العراق وعدن عندما كان شاباً.


وهذ اللقاء الجميل ذكرني بأحد أصدقائي الصعاليك أيام المرحلة المتوسط الذي أصبح لاحقاً شيخاً وقوراً وقاضياً في أحد المحاكم، وقصة هذا الشيخ والذي اسمه "زريق" الذي كان ضعيف البنية في الأيام الخالية ودقيق الملامح وأحمر الخدين كأن به عرق شامي، وكان حقنة بمعنى الكلمة طوال الثلاث سنوات التي قضيناها في مدرسة الفيصل المتوسطة التي تقع في لخطوط الأربع في الدمام. لم نكن نعطيه وجه بالمرة ولا يلعب معنا أبداً، وفي مرة من المرات كنا نلعب كرة قدم وقت الفسحة في ساحة مدرسة الفيصل المتوسط، وهو ماكان يعرف يلعب، وكان غصب يبيي يلعب معنا أو يخرب علينا ، كان قاعد برى الملعب ولما جاته الكورة عنده شاتها برا سور المدرسة انتقاماً منا، رحت له قلت له جيبها يا زريق زي ما شتها برا السور، قال ماني جايبها، جيبها يا ابن الحلال انت إلي شقحتها فوق السور، ماني جايبها، قمت أعطيته كف، وكف ثاني وقلت بروح أجيبها أنا, فجأة قام نقز علي مثل القرد وتعلق في وسطي وحط رجولة حول جسمي ويدينه خلف ظهري، أستنيت بشوف ايش يسوي يمكن بيرد لي الكف أو يعضني أو يجر شعري أو أي شيء!!، لكنه ما سوى شي أبد، واقف كأني غورلا وكأنه أبني على غفلة متعلق في ، قلت أنزل يا حمار، قال ماني نازل، ياابن الحلال أنزل، ،،، اعطيه كف، كفيين، بقس ما فيه فايده، اطيح فوقه في الأرض ما هو راضي يفكني، أدور فيه عشان يدوخ، دخت أنا وطحت وهو متمسك في، كأنه قفل الكتروني، يا زريق عيب عليك انزل، طيب أعطيك الوجبة المدرسية واليخنة (وجبات مدرسية كانت توزع مجانا على الطلاب) ، طيب اعملك اسكان شعبي يا حبيبي، ما نزل، نعن أبوك الفسحة خلصت انزل بروح الفصل، اطيب تعلق من ظهري عشان الاستاذ لا يشوفك لما أجلس في الفصل،،،مانزل لين وصل الخبر لمدير المدرسة "عريج" واستاذ حسنين مدرس الهندسة واستاذ بسيوني مدرس الجغرافيا، والدكتور عبد الله الربيعة وزير الصحة المتخصص في فصل الأطفال السياميين (أمزح) وفكوه مني بعد أن قبل يديه المدير وقال وعد يا زريق إن فكيت نديم بنجحك هذي السنة وبنخليك عريف الفصل بعد، بس فك الولد خخخخخخ، ،،،هذا الزريق دارت الأيام وقابلته لما رحت لمدينة صغيرة بالقرب من الدمام لبيع أرض للوالد، وعندما لم نتفق مع المشتري قرر الوالد عمل توكيل لي بمحكمة نفس المدينة عشان لما يجي زبون ثاني أقوم أنا ببيعها بدل أن يأتي أبي لتلك المدينة مرة أخرى، وجينا مع الشهود ودخلنا المحكمة وتفاجأت بأن "زريقاً" هو القاضي أو كاتب العدل فلما رأني أندهش أكثر مني وكاد أن يبتسم وأن يفز من مكانه ويطير من ثنايا بشته الملكي ، لكنه بجزء من المليون من الثانية سيطر على جميع الأجهزة لأن ذلك سوف يؤثر على هيبته على ما يبدو. كنت سوف أطقه بكفه وأقول كيفك يا أبو الشباب والله زمان عنك يا زرووووووق يا حبيب قلبي، بس لاحظت إن الرجال كاتم مرة، وبدأ يسأل بصوت مسرحي مفخم أين الموكل، أين الوكيل،،،،أين الشهود،،، سلمناه البطاقات وقلت يمكن يعرفني الحين،،،أنزل رأسه وهو يخفي وجهه داخل طيات شماغه كأنه يقرأ البطاقات، وصدر عنه صوت مثل صوت المساحة لما نسحبها على طاولة الفصل "ايييءءء" فتأكدت أن يحاول أن يكتم ضحكة في نفسه وهو يصارع تلك الضحكة بكل ما أوتي من قوة، وقد يكون تذكر عندما نط علي وجثا على صدري مثل الجاثوم في متوسطة الفيصل، فحاولت أن أنظر له من تحت شماغة لأتأكد من حدسي، فأنزل رأسه زيادة مثل الطلاب إلي يغشون في الإمتحانات من البراشيم ، ثم استأذن للذهاب للمختصر، وقلت لزميل الشاهد معنا تركي الهاجري على حكاية زريق فمات أبو شايع من الضحك وقلت أحلق شنبي يا أبو شايع إذا ما كان منسدح الحين على الكنب وفاقع ضحك خخخخخ علينا، قال يا عمي أنتبه لا تستهون في هذا الشيخ، ترى الأسبوع إلي راح صك واحد بستة شهور سجن، قلت هذا زريق يقدر يسجن واحد ستة شهور، قال إيه زريق، انتبه والله ليطلع الطق إلي أعطيته يومنكم صغار بشخطة قلم واحدة ولا أحد يفكك منه، قلت يصير خير. بعد شوي طلع وكان وجهه حمر كأنه فلاح سوري في عز الشتاء، وتأكدكت إن زريق فك الضحكة لربع ساعة في المختصر ورجع بعد ما رجعت له السكينة والوقار المزيف.

زريق إنسان طيب بطبعة ولكن يبدو أنه كان خايف تنقلب الجلسة ضحك أمام المراجعين وإلا إني أفضحة بالحكايات إلي صارت بينا أيام المتوسط ، وآخر مرة شفته في العام 2001 عند بيتي عند أشارة المعهد الصحي في الدمام، كان فيه إشارة في آخر شارعي ومر من جنبي وشافني وكان بيوقف ويسلم لأن ما كان في أحد في الشارع، لكنه غير رأيه وكمل طريقه ووقف عند الإشارة، وأنا أطالعه وهو يناظرني من المراية العاكسة وشكله ميت ضحك وبعدين لما ولعت الإشارة طق هرن لي ولوح لي بيده الكريمة من شباك سيارته الجيب الفي إكس آر التي يفتن بها كل سنة مرة أو مرتان.


يتبع

منصور العبدالله 28-05-2010 12:06 PM

رد : مـــــــــــــــــذكراتــــي اللــــــــــــــندنــــــــية
 
هلا اخوي نديم الهوى


روعة هذة الحلقة وعن انواع وسائل النقل وتعددها


وكذلك وانتم تجوبون شوارع المدينه


ويحدق بكم الخطر من أطفال الجعدة



وجميل سلسة يومياتك وعلاقاتك ومعاملاتك



واصل وفقك الله



روعة والله روعة اخوي نديم الهوى


واتمنى ان تضع بين الحلقة والحلقة اقل شيء اسبوع لنتمكن من قراءة كل الحلقات



وفقك الله اخوي الغالي نديم الهوى


كم انت فعلا نديم رائعا ومتحدثا لبقاً



وفقك الله يالغالي

مشاري بن نملان الحبابي 29-05-2010 01:14 AM

رد : مـــــــــــــــــذكراتــــي اللــــــــــــــندنــــــــية
 
مرحبا يا نديم ..

حلقة أكثر من رائعة ..

عندي استفسار .. أنت عتيبي ؟؟

لأنك دايم تقول الطايف ..

فراس سعيد 30-05-2010 02:45 AM

رد : مـــــــــــــــــذكراتــــي اللــــــــــــــندنــــــــية
 
كسرب الحمام تتلو بعض نحو قمم الحروف الابجديه الذهبيه

بانتظار ابداعك

نديم الهوى 03-06-2010 09:07 AM

رد : مـــــــــــــــــذكراتــــي اللــــــــــــــندنــــــــية
 
منصور العبدالله ، شكراً لك على التواصل الدائم،،، وسمعت نصيحتك وأسبوع تقريبا عن المشاركة،،، ولا يهمك يا ولد عمي،،،تامر،،،،،مشاري بن نملان الحبابي شكراً لك على التشجيع المستمر،،، وبالنسبة هل أنا عتيبي،،، والله أتشرف أن أكون من عتيبة لكني لست منهم وإن كنت أحبهم،،،،،،،،،،أتكلم عن الطائف لأني ترعرعت فيها حتى أنهيت المرحلة الإبتدائية ولي فيها ذكريات وحكايات وأشجان لا بد أن أخطها يوماً ما،،،،،،،،،،،،،،،،،،قد تكون "مذكراتي الطائفية"""""""""""""""شكراً لك مرة أخرى،،،،،،،،،،،،،فراس سعيد،،، شكراً لك عزيزي على النثر الجميل،،، وأتمنى أن أكون عند حسن ظنك دوماً....



الحلقة الثامنة عشر

الأستاذ عابد العتيبي، مدرس من مكة المكرمة قوي البنية وفي عنفوان الشباب ويتمتع ظاهرياً بصحة وافرة، وصل مدينة لندن بعدنا مباشرة بحثاً عن العلاج وكان مصاباً كذلك بسرطان الدم، وعندما تعرفنا عليه إعقتدنا بأن الشخص الآخر المرافق له والضعيف البنية كأنه هيكل عضمي أنه هو الشخص المريض وأن الأستاذعابد الصحيح البدن هو من سيتبرع بالنخاع العضمي للصعلوك المرافق له. لم نكن نحن من أعتقد ذلك فقط، بل أن الدكتور قولد مان الطبيب المعالج عندما أستقبلهما ألتبس عليه الأمر في البداية كما حصل معنا. وهذا يوضح مدى خطورة هذا القاتل الصامت الذي قد يصيب الإنسان في أي وقت حتى وإن كان صحيح البدن وفي مقتبل العمر.

سكن عابد العتيبي ومرافقه مرزوق العتيبي في فندق يقع في شارع Gloucester Terrace ويعمل بنظام الشقق ويبعد مائة متر عن فندق لانكستر قيت الشهير والمواجه للهايدبارك، والفندق الأخير معروف للسياح العرب وتقام فيه حفلات غنائية في الصيف لمحمد عبده وراشد الماجد وعبادي الجوهر ورابح صقر ونوال ونجوى كرم وغيرهم، وقد حضرت بعض تلك الحفلات وسكنت فيه لاحقاً مرات عدة. أما الفندق الصغير الذي سكن فيه الأستاذ عابد، والذي يعمل بنظام الشقق فتعود ملكيته لشخص عربي أو عربجي، لا فرق واسمه "شيبة عرعر" وهو شاب متهور وجشع وبلطجي طويل وهبيل أبيض البشرة كريه العشرة ويعشق كرة القدم مثلي لكنه أكثر جنوناً وجنوحاً وصفاقة،

وقد توطدت علاقتنا معه عندما كنا نعود عابد باستمرار في شقته وكونا معه فريق كرة قدم جله من سكان الفندق الخاص به وبعض الإنجليز الصيع من نفس الحي، وكان شيبة عرعر من هوسه باللعب ينقلب إلى تكروني أبيض خاصة إذا أغاضه أحد أثناء اللعب سواءً بعدم تمرير الكرة له دون غيره أو في إضاعة فرصة التهديف في مرمى الخصم، فيقوم بالزعيق والصراخ ويلطم على وجهه الأشلح، بل أنه في كثير من الأحيان يشق قميصه إلى نصفين عندما يهزم. وبالرغم أننا كنا نلعب للتسلية وحباً في رياضة كرة القدم، إلا أنه كان يخبرني أحياناً بأنه في بعض الليال يجافيه النوم بسبب هزيتمة في التمرين وكأنه فقد التأهل لكأس العالم.

عابد وبالرغم من مرضه الخطير، كان إنساناً وسطياً أو أقل من وسطي حبة ونص، وكنت أنا وسطي وعليها بوستين من الناحية الدينية ومتأثراً كثيراً بأخي لدرجة ما خاصة فيما يتعلق ب "طعام أهل الكتاب" فكنت كلما نود أن نأكل طعام ما، أقول لهم "لحظة يا جماعة، لن نأكل هذا الطعام حتى نتأكد بأن ليس به أي من مشتقات الخنزير" فيصبرعلي الأستاذ عابد صبر أيوب حتى أتأكد بأن ex3F16، مثلاً ليست مادة من مشتقات ذيل أو رمش أو عرق الخنزير لا سمح الله،،،،وكان عابد يمشي الأمور ما أستطاع إلى ذلك سبيلاً ويكتم غيضه صابراً على لقافتي وأضنه غير محتسباً لذلك، حتى أتى يوم وقد أبتاع صابونة من النوع الرخيص والرديء من سوق شبردزبوش الشعبي الذي يقع من ناحية الغرب من الهايدبارك، وقد شد للصابونة الرحال مسافة سبعة كيلومترات قطع خلالها خمس محطات أندرقراوند،
http://farm3.static.flickr.com/2235/...86586b9d_b.jpg
سوق شبردز بوش (شجيرة الراعي)

وعاد فرحاً بها هاشاً باشاً واستعد المسكين للإستحمام، فقلت له تمهل ياعابد أفندي، دعني أقرأ المكونات فقد يكون ضمن مكونات الصابونة زيت شحم الخنزير والعياذ بالله، لأني سمعت كثيراً بأنه يستخدم عادة كرغوة للصابون،،،،،،،،،،،،فأكفر وجهه وأحمرت عيناه وأرتعدت فرائصه وسحب الصابونة مني بكل عنف وقال "والله يا نديم يا ولد أبو نديم يا فيلسوف العصر والأوان، لو أني عصرت الصابونة بكلتا يداي هاتين وطلع منها خنزيراً حياً يمشي بشحمه ولحمة لما ترددت أن أستحم بها صباح مساء، أغرب عن وجهي فقد غثيتني بنصائحك وحاصرتني حصار عكا بخنازيرك" ،خخخخخخ، وعندها عرفت أن لقافتي أقد أوصلت عابد إلى حافة جنون الخنازير،فقلت له خلاص روح استحم ولا تزعل وحقك علي يا عم عابد، وعلى ما تخلص استحمام بالصابونة المشبوهة سوف أذهب أنا ومرزوق"المرافق له في العلاج" لإحضار العشاء حتى يطيب خاطرك. وذهبنا لمطعم في شارع Bishop's Bridge والذي تقع فيه محطة بادنقتون ستيشن العتيقة والتاريخية والتي أفتتحت عام 1854 واشتهرت بتصوير الكثير من الأفلام القديمة داخلها نظراً لطرازها الفكتوري الخلاب والملهم لكل المخرجين، ويتفرع شارعها من شارع ادجوررود.

http://www.londonist.com/attachments...lden-Age-o.jpg
المطاعم التي تعج بها المنطقة

فأحضرنا من أحد المطاعم العتيقة في ذلك الشارع كمية وافرة من الفش آند شبس وبيتزا وبيبسي، كما أني وجدت بيضاً شهياً مغطى بطبقة من السماق المقرمش فأحضرت منه عدد خمس بيضات، وعدنا أدراجنا وقد خرج عابد من حمام الهنا منتعشاً طرباُ ويغني حاملاً بين يديه الصابونة بكل حرص وعناية وكأنه يخشى أن أصادرها على غفلة منه. وبدأنا بتناول العشاء اللذيذ خاصة وأن الجو كان بارداً جداً وفي البرد يحتاج الجسم للطعام أكثر من أيام الدفء، وقبل أن نبدأ الطعام قال لي مازحاً "هاه يا دكتور نديم، فيه خنزير وإلا نسمي بالله" رديت "لا خلاص أنا غيرت الإستراتيجية من الآن فصاعداً، سوف نأكل الطعام أولاً ثم نتأكد، ولكل حادث حديث، فحتى أنا والله طفشت من حكاية الخنزير" خخخخخ، وفعلاً بدأنا بالأكل بشهية مفتوحة، وأتت فجأة خديجة المغربية والتي تعمل في الرسبشن تسأل عن صاحبنا السعودي "فؤاد" الذي يسكن في نفس الفندق ونظرت نحو الطعام الذي نتناوله وصرخت فينا بشدة "تاكـــلوا"حلـــوف"، حرام عليكم، احشموا يامسلمين" قلنا وين "الحلوف" (الخنزير) يا خديجة، ردت"البيض المسلوق إلي بتزطوه، فيه تحت طبقة السماق شرايح لحم حلوف قرف الإنجليز، الله يقرفكم". انصدمنا لما تأكدنا بأنا قد تناولنا الخنزير فعلاً والمصيبة أنني أنا الذي أحضرته بيدي وقد كنت لهم دوماً الناصح الأمين،،،،،،، ورحنا كل واحد أفرغ مافي جوفة من الطعام، وحرمت بعدها أن أكون مصلح اجتماعي ما حييت أبداً.



أما فندق شيبة عرعر الذي يسكن فيه عابد فقد كان فندقاً مريباً جداً، وشيبة عرعر صاحبه كذلك كان شخصاً تدور حوله الكثير من الشبهات باستمرار من قبل السكان وخاصة السعوديين، فقد كان هنالك حوالي خمس شقق مؤجرة لسعوديين، بالإضافة إلى الأستاذ عابد، كان على ما أذكر هنالك طباخ من مكة المكرمة لديه طفل مريض جداً بالإسهال المزمن،عدم المؤاخذة، وكان يصاب جسمه بالجفاف والهزال حتى يقترب من حافة الموت بسبب فقدانه السوائل، ليدخل المشفى فتعود له الحياة بواساطة المغذيات لفترة من الزمن ثم يخرج فسرعان ما ينتكس، فأتى به أباه إلى لندن بحثاً عن العلاج.

وشخصاً آخراً اسمه "مهجع" اسم حقيقي من الشمال، وأخراً اسمه "شوعي" من جيزان، كان ابنه لايسير على رجليه ويركب عربة ولكن لا أذكر الآن ماذا كان نوع مرضة، لكن الذي أذكره أنا كنا في رحلة عربية إلى "ملاهي آلتون تاوزر" وسأله منظم الرحلة خلال مسابقات بين المسافرين للتسلية في الطريق عن هوايته، فأجاب أن هوايته أن يشتري مزرعة، فأعاد السؤال أكثر من مرة بأنه، ليس "ماهي أمنيتك يا شوعي" ولكن "ماهي هوايتك يا شوعي"، وأصر شوعي على شراء المزرعة حتى كادت أن تقوم خناقة بينه وبين منظم الرحلة.

كما كان يسكن في الفندق المشبوه شاب اسمه فؤاد، من جدة وكان في سني ولكن وزنه يصل نحو 200 كيلوغرام وهو يتعالج من داء السمنة، ومشكلة جسمة كما عرفت، بأنه يحتاج يوماً كاملاً لحرق بيضة واحدة فقط، لذلك عمل له البرفسور برنامجاً ممتازاً مع بعض العلاج حتى وصل وزنه 68 وأصبح وسيماً وسعيداً ومقبل على الحياة ويرتدي أجمل الملابس بعد أن كان يمشي في أزقة لندن بثوب سعودي كأنه خيمة يكلفه طاقة كاملة من القماش ويرتدي فوقه جاكيت رصاصي طوال المدة التي عرفته فيها. في أحد المرات طلعت له صورة من الخلف في مجلة المجلة وهو يسير في شارع البيزووتر، وكانت الصورة ضمن تقرير عن استثمارات العرب العقارية في بريطانيا، وكتب تحت صورته (أحد تجار العرب يبحث عن فرصة اسثمارية في لندن)، وكان فؤاد سعيداً بظهور صورته الخلفية بدلاً من أن يقدم شكوى ضد المجلة التي استغلت صورته دون وجه حق. بعد أن نزل وزن فؤاد وأصبح وزنه معقول جداً، بل رائع غادر لندن في إجازة للسعودية لمدة شهرين ليري أهله المفاجأة الجميلة وكيف أصبح إنساناً آخراً وسيما ًتعشقه الفتيات، اللائي كثيراً ما صددن عنه بل ضحكن منه أو أشفقن عليه عندما مر دونهم يوما ما. لكن وللأسف الشديد، فعندما عاد إلى لندن بعد انقضاء اجازته الطويلة نوعاً ما، استقبلته في المطار وصدمت من هول ما رأيت، فقد عاد إلى وزنه البشع القديم بالتمام والكمال وحشر نفسه من جديد في لباسه القديم، ذلك الثوب المنفوش المهلهل والجاكيت الرصاصي الكريه. وعندما عاد كان قلقاً ويوجس في نفسه خيفة أن يراه البرفسور المعالج في صورته الجديدة القديمة، فأخذني معه في اليوم التالي للمشفى وعندما دخلنا على البرفسور وتأكد أنه هو فؤاد، قذف الطبيب بنظارته بعنف على الطاولة وكأنه صعق بتيار كهربائي من محطة توزيع كهرباء رئيسية وبكي بحرقة كالطفل على مجهود سنة كاملة والذي تبخر بسرعة على موائد مطاعم "أرملة البحر الأحمر جدة".



كما أني لا زلت أذكر بأسى شخصاً رابعاً من جدة اسمه "عابر سبيل" ومصاباً بسرطان الرئة، في الخمسينات من عمره، ويهيم دوماً وحيداً على وجه في أزقة لندن بثوب وشماغ دون عقال ويحمل معه أينما ذهب سجادة صلاة عتيقة زرقاء اللون من القطيفة المتموجة يصلي عليها كلما حان وقت الصلاة. وأخبرتني في أحد الأيام الممرضة "مسز قراث" بأن أمام "عابر سبيل" فرصة أقل من شهرين للحياة وبعدها سيموت لا محالة بسبب تطورات المرض الخبيث. فأصبحت أساعده في شراء أغراضه وتوصيله والعناية به وخدمته وتلبية طلباته كأنها أوامر بالنسبة لي، حتى أنه سألني أحد الأيام بعيون حائرة ونظرات حزينة، عن سبب عطفي الزائد عليه، فتوقف الكلام في حلقي ودمعت عيناي وهربت منه دون أن أستطيع أن أرد عليه لأنه على ما يبدوا لي لم يكن يعلم بأنه سيموت بعد أسابيع قليلة. وقد توفي لاحقاً بعد أن نوم في المستشفى لآخر أسبوعين وأصبح خلالها يصاب بنوبات سعال لا تنقطع، لا أبالغ بالقول أنها تستمر نحو 5 ساعات متواصلة، فكنت من حزني عليه أصم أذاني وأنا في غرفة أخي حتى لا أسمعه وهو يسعل والله المستعان.
http://t1.gstatic.com/images?q=tbn:w.../676079733.jpg
عابر سبيل مر سريعاً وأختفى عن الحياة


كان يوجد الكثير من العرب في الفندق، ولكن لم أنس أبداً فتاتان يمنيتان تعيشان لوحدهما في الفندق، "اسم المريضة دمعة والأخرى أمل"، كانت دمعة مصابة بسرطان في أحد أعضاء جسمها ولم أكن أذكر كيف وصلتا لندن، ولكن أذكر أنهما أصيبتا بالفاقة وضيق ذات اليد ولم يستطيعا حتى دفع أجرة الفندق، فما بالكم بالعلاج. وكنا في الغربة نعتبرهم مثل أخواتنا، فكفيناهما السكن والطعام والمصروف اليومي، وهذا ما كنا نقدر عليه في تلك الفترة، وعندما نذهب للنزهة في الهايدبارك والذي يقع في خلف الفندق في العصريات الجميلة، كانتا تسيران خلفنا على استحياء، ثم تجلسان في مكان قصي عنا ونحضر لهم المكسرات والبسكويت والكعك وهما تعدان لنا القهوة اليمنية بالقشر والشاي الصنعاني، وقد تجلت بيننا الرحمة والأخوة في الإسلام بكل صفاء وإثار، فأصبح شغلنا الشاغل هو سترهما ومساعدتهما في تدبر أمورهما، لكن بقي مشكلة علاج المريضة منهما مشكلة ليست لها حل، فتكلفة العلاج تقدر بعشرات الألوف من الجنيهات وهو ما يفوق ميزانياتنا جميعاً. وفي يوم من الأيام كان الأستاذ عابد يسير وحيداً في الهايدبارك وجلس بجانبه رجل عربي وقور وتبادلا الحديث معاً، وكان اسم الشخص على ما أذكر "السويدي" وهو من الإمارات العربية المتحدة وكان يعمل مستشاراً لشخصية كبيرة في الامارات فأستغل عابد الفرصة وشرح له مأساة "دمعة وأمل" وعرض عليه إمكانية مساعدتهما، فوافق "السويدي" دون تردد وطلب أن تأتي الفتاتان للسفارة الإماراتية من الغد والتحدث مع السفير الإمارتي حينئذ وأضن اسمه "مهدي التاجر" وتم تحويل "دمعة" للعلاج بكل بسطاة ودون أي روتين أو تعقيد في مشفى Cromwell Hospital، وقد احتفلنا بعابد بعد أسبوع من حصول "دمعة" على العلاج في حديقة "رتشموندز بارك" وحملناه فوق رؤوسنا وقذفنا به في السماء بعد الغداء مثل ما يعمل اللاعبون عندما يحملون مدرب الفريق عند الفوز بالكأس وسط زغاريد "دمعة وأمل".
http://t0.gstatic.com/images?q=tbn:y...1270734677.jpg
كل من يذكره،،، يذكره بالخير،،،،،،،،،،،،،السويدي بجانبه


ومع مرور الأيام بدأت تحدث في الفندق المشبوه سرقات متكررة للسكان الخليجين والسعوديين منهم بالذات، فقد تمت سرقة جميع المرضى السعوديين الواحد تلو الآخر باسثتناء شخص واحد فقط، كان كل أسبوع أو أسبوعين يسرق أحد المرضى، فيتم الإستيلاء على ماله كاملاً أو الذهب والمجوهرات، وكان واضحاً للجميع أن السرقة تتم بتواطيء من داخل أصحاب الفندق لأنه لا يوجد عنف أو كسر للغرف، كما أن السرقة تكون خلال خروج السكان للعلاج أو السوق، وكأنهم يعرفون مواعيد دخولهم وخروجهم، ولم ينجو من السرقة سوى "مهجع" الشمالي لأنه كان بدوي بمعنى الكلمة، لا يثق في أحد مطلقاً، حتى نحن لم يكن يثق بنا. وهذا أعتقد أنه هو سر نجاته. فالشيخ "مهجع" إذا جلس معنا لا يخبرنا شيء عن نفسه بتاتاً وكأنه يحمل أسرار خاصة "بالسي آي إي"، ولا يأكل من أي طعام نقدمه له أو حتى يشرب الشاي معنا، وعرفنا بعد ذلك بأنه موصى كويس في السعودية من الحرامية والدجالين، لدرجة أنه أدخلنا في قائمة المشتبه بهم، فقد كان يعتقد بأنا سنضع له الحبوب المنومة في الكأس مثل الأفلام،خخخخخ، وأحلق شنبي إذا ما كان مخبي فلوسة،،،، كل فلوسة في شراريبه أو في طيات ملابسه الداخلية طوال فترة علاجه، وأعتقد بأن من كان يعرف سر مكان فلوس "مهجع بيه" هو فني الأشعة فقط والذي من المؤكد أنه رآى الفلوس واضحة في شرائح الأشعة خاصة المعدنية منها، والله أعلم.


كان السعوديين في تلك الأزمان "مغفلين" ويستغفلهم الناس بكل ما تعنية الكلمة من معنى، فلم يشتك أحد من الضحايا للشرطة لعدم فهم حقوقهم أو لخوفهم من أن يسبب لهم ذلك المتاعب كما كانوا يتصورون. وقد شكينا كثيراً في شيبة عرعر، وما زلت أعتقد إلى الآن أنه هو من كان خلف تلك الجريمة التي تقع أسبوعياً في فندقه، فهو لا يكترث لتلك الجرائم، ولم يتخذ أي إجراء ليحافظ على أموال زبائنه أو سمعة فندقه. وبالرغم من أني لا أسكن في الفندق لكني حنقت عليه بسبب سرقة هؤلاء المرضى المساكين، وقررت الإنتقام منه بطريقتي الخاصة، بالرغم من أني مسالم مع الآخرين وأسامح دوماً كل من يسيء لي، ولكن لم أحتمل أن يسرق ذلك الأخرق الجشع المرضى المساكين.

http://c.photoshelter.com/img-get/I0...ehsWS.0k/t/150

الإنجليزي ينتظر وقوع كارثة،،،،وش يصلح وش يرقع،،،،الباص جاي طاير،،، يفكرونه خط البلدة بيوقف لهم

فأخبرت "مرزوق مرافق عابد" بما نويت فعله لشيبة عرعر جزءاً وفاقاً لما اقترفت يداه، وفعلا انتظرت إلى أن أتى وقت تمرين فريق كرة القدم (هنالك صورة وضعتها في حلقة سابقة تظهر الفريق) وأختارني شيبة عرعر أن أكون معه في نفس الفريق لسؤ الحظ ولكني طلبت أن أكون في الفريق المضاد، فوافق على مضض، وسرعان ما أتت الفرصة التي انتظرتها طويلاً عندما أتت هجمة علينا وكنت ألعب في الدفاع وكان شيبة عرعر يجري بكل سرعته خلف الكرة كمهاجم ويريد أن يرفع الكرة على مرمانا فعدوت بإتجاهه بكل سرعتي وبدلاً من أن أنقض على الكرة ركزت بدقة على مفصل قدمه وأنا أتذكر الرجل المسكين "عابر سبيل" الذي سرقت كل أموال، فأصطكت رجل شيبة عرعر المندفعة بباطن حذائي المدعم بأصابع صغيرة مدببة، حتى سمعت من قوة الإلتحام صوت قرقعة صادرة عن ثنايا مفصله. فصرخ شيبة عرعر بأعلى صوته صرخة اهتزت لها الأشجار في الهايدبارك وتحدث بها الركبان في باصات هاي ستريت كنجنستون، ثم تلوى في الملعب من شدة الألم، وأخيراً حاول النهوض واللحاق بي لينتقم مني، لكنه عندما ارتكز واقفا هوى مرة أخرى نحو الأرض لأن قدمه انطبقت كانطباق الذراع نحو الساعد بسبب تهشم مفصله، فقلت في نفسي "ذق "يا شيبة عرعر" انك انت العزيز الكريم"يا سارق المرضى والمساكين .
http://travel.maktoob.com/photo/data...epark-team.jpg
فريق كرة القدم الذي كوناه بتصريح من الأمم المتحدة،، والشاطر يطلع شيبة عرعر

وأصبح شيبة عرعر بعدها يمشي بجبيرة لمدة تزيد عن شهرين، توقفت معها سرقات المرضى طوال وجود الجبيرة في رجله. ولم أعد لزيارة المرضى في الفندق إلا بعد أن هدأ غضب "شيبة عرعر" وتقبل الأمر بأنه مسألة خطاء وليس عن قصد، فعاتبني عندما رأني بعد ذلك بشدة لكني لم أكترث له، وقلت يا عمي "مفصل رجلك هو إلي ضرب باطن رجلي، وباطني رجلي ما ضرب مفصل رجلك" تقدر تعيدها خمس مرات ؟؟؟؟ خخخخ، لكن "شيبة عرعر" الهبيل قال لي بكل صفاقة "كنت سوف أجعلك يا نديم عضواً في لجنة تحكيم ملكة جمال العرب في لندن" لكني ألغيت اسمك تماماً عن ذلك عقاباً لك على ما فعلت بي، ألا تعلم أنك كنت ستعيش أجمل أيام حياتك في تلك اللجنة يا مسكين، فقد كان من الممكن أن يكون لك صلاحيات كبيرة وكل يخطب ودك من المتسابقات الجميلات. ولما استفسرت منه عن ماهية تلك المسابقة الغريبة التي ينوي عملها، شرحها لي بالتفصيل الممل، فقلت، تباً لك، والله لا أتشرف "يا شيبة عرعر" أن أكون معاك في لجنة الفسق والمجون أيها المسكين. لكن لو تعلمون يا قومي من هن ملكات جمال العرب التي قدمهن الأفاك شيبة عرعر في لندن والتي عاصرت أحداثها لاحقاً عندما نظمها في العام 1985، وغطتها الصحافة العربية في المهجر للأسف ومن ضمنها صحيفتنا الخضراء التي تغط الآن في نوم عميق، فإثنتان من المتسابقات كانتا تعملان في غسيل الصحون في مطعم إيراني في Earls Court، وواحدة كانت تعمل في ملهى كيت كات. وملهى كيت كات كان موجود في نهاية شارع الكوينز واي(اندثر الآن)، وبداية البايزوتر أمام موقف الباص المتجه لإكسفورد ستريت. وقد ارتدت ذلك الملهى أيام الصبا والطيش، والذي أثار فضولي الشديد في تلك الأيام وجعلني أخوض تلك التجربة، أنه كان يقف دوماً أمام باب الملهى حارس مصري يلبس طربوش أحمر ونظارة طبية دائرية عتيقة سمكها 7 ملي ووجه قديم كأنه ولد عام الفيل وهو يشبه كثيراً سمكة البراكوده وأسنانة نصفها محطمة والنصف الآخر متداخل مع بعضه. رأني الحارس المنتف وعرف أني عربي وقال "أرب آرب" (أقترب، أقترب)، فأقتربت ونزلت الدرج المظلم وجلست على منضدة في المقدمة وكأني في مغارة علي بابا المضاءة بكل ألوان الطيف وتصدح فيها أغنية "السح الدح أمبوه". ثم أتى لي الجرسون بعصير أناناس وعليه كما أذكر الآن مظلة صغيرة كزينة وقطعة أناناس في طرف الكأس، وحسب الجرسون أني طفل تاه من أهله في لندن وتدحرج من الدرج فسقط على طاولة (البيست) وقال "والله" كما أذكرالآن "طبعاً الشمسية دي تشيلها قبل ما تشرب العصير" يا حلاوة شايفني أهبل ذا الجرسون ،،،،لكني رديت عليه "شكراً نورت المحكمة والله، يعني فاكرني حاشرب العصير بالمظلة، دي تبقى المظلة هي إلي حتمطر علي،،،، هو أنت فاكرني لسا قاي من الترعة يا بسطويطي بيه" خخخخ. وكان يجلس في المنضدة المقابلة لي فتاة جميلة تضع رجل على رجل مثل طريقة الممثلة "ناهد جبر" في مسرحية "شاهد ما شافش حاقة" وتبدو صغيرة وجميلة جمال لا يوصف وعندما تعرفت عليها أخبرتني بأن اسمها "رمال"،،،، لن أكمل هنا، وهذ الفتاة هي أحد المتسابقات التي شاركن في مسابقة "ملكة جمال العرب في لندن". ومتسابقة أخرى كان وجهها مليئ بحب الشباب وعندما تغضب يصبح لونها أحمر والحبوب بيضاء بشعة مقززة، وخليط غريب وعجيب من المغلوبات على أمرهن، وكل واحدة منهن تحمل في طيات قلبها مأساة حزينة تقطع أنياط القلوب بالرغم من فجورهن الظاهر. لكن شيبة عرعر الفهلواني حبك المسرحية بحرفية عالية ووصولية تامة، وكان للتصوير من زوايا معينة وملابس المتسابقات ولمسات الكوافير الفضل في أخراج المسرحية وتغطيتها إعلامياً على أنها مسابقة رصينة لاختيار ملكة جمال العرب في لندن والتي أقامها في الفندق المجاور لوكره، لانقستر قيت هوتيل. وفي اليوم المشهود ارتدى شيبة عرعر ملابس فخمة وذهب للكوافير وظهر بشكل رائع يستحق به منافسة المتسابقات على اللقب. وفاز بلقب ملكة جمال العرب أحد الفتيات التي تعمل في غسل الصحون في مطعم ايرلز كورت وكانت هديتها فديو وثلاثمائة باوند فقط ورحلة إلى ألتون تاورز قيمتها 60 جنيه، وحصل شيبة عرعر على دعم مالي كبير من تلك الصحف العربية أضافها لما سرقه من أموال المرضى.

وصدق الأمير خالد الفيصل عندما قال في قصيدته الجميلة "اتعجب!!! ماعلى الدنيا عجب .. حكمة الرحمن خلاها تدور"، فقد دارت الأيام والسنون وبعد أكثر من 22 سنة، تحجبت بائعة الهوى "رمال" التي كانت تعمل في ملهى "الكيت كات" ولله الحمد، وتابت وحسنت توبتها، وهي تعمل الآن في مدرسة عربية "أحتفظ باسم المدرسة والمدينة"، وقد ازداد وزنها كثيراً وودعها الجمال إلى الأبد وأصبحت أم لثلاثة أبناء، وآخر مرة شاهدتها فيها كان في العام 2006 وكانت تتريض في أحد الحدائق بعد أن أوصلت أبنائها للمدرسة الإنجليزية، وكم كنت سعيداً وأنا أراها وهي تتبدل من حال إلى حال وتحرق المراحل المخجلة من حياتها خلفها، والجميل أنها تتعامل معي وهي تجهل أني أعلم أسرار ماضيها، فلم أكن بحياتها سوى "عابر سبيل" ولم أكن يوماً "عابر سرير".


يتبع


الساعة الآن 03:53 PM

Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir
جميع الحقوق الأدبيه والفكرية محفوظة لشبكة قحطان وعلى من يقتبس من الموقع الأشارة الى المصدر
وجميع المواضيع والمشاركات المطروحه في المجالس لاتمثل على وجه الأساس رأي ووجهة نظر الموقع أو أفراد قبيلة قحطان إنما تمثل وجهة نظر كاتبها .

Copyright ©2003 - 2011, www.qahtaan.com
Proudly Powered by: vBSocial Notifications 5.1

1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 36 37 38 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 64 65 66 67