مشاهدة النسخة كاملة : تاريخ البورصة العالمية


مشعان.
25-12-2006, 04:52 PM
يسجل التاريخ الحديث بأن أول سوق للأوراق المالية في العالم كان قد افتتح في بلجيكا عام 1531م. ويقال بأن التجار في ذلك الوقت كانوا يفدون إلى مدينة “بروج” بشمال غربي البلاد، وينزلون بفندق لعائلة تحترف الصرافة، وتسمى “فاندر بورص” (Vander Burse). ولعل من أسمهم، هذا، اشتقت كلمة “البورصة”!
انتظر الهولنديون ما يربو على 70 عاما ليفتتحوا سوقهم في أمستردام عام 1602 تحت جسر “أمستل” (Amstel)، حيث كان الوسطاء يتبادلون أسهم “شركة الهند الشرقية”، ويؤمّنون بذلك الأموال اللازمة لغزو أمريكا. وفي هذه الأثناء طَوّرت بورصة باريس للبضائع، والتي كانت تعمل منذ عام 1304م على جسر يسمى “جسر الصرافة”، أعمالها لتشمل الأوراق المالية، أيضاً.
إما في لندن، فقد كانت بداية سوق الأوراق المالية، عام 1698م، في “مقهى جوناثان” عندما قرر صاحبه “جوناثان كاستينج” (Jonathan Castaing) عرض قوائم البضائع والأسهم للمهتمين تحت مسمى “مجموعة الأسهم والأشياء الأخرى” (The Course of the Exchange and Other Things).
في عام 1725، استقطب “مقهى جوناثان” العديد من الوسطاء العاملين في مدينة لندن ليبدأ رحلة النمو، ويُغيّر اسم المقهى إلى “سوق الأوراق المالية” (The Stock Exchange) في عام 1773م. وقد أعلن ذلك “جون تايلور” في تصريح قال فيه: “نبيع ونشتري تذاكر اليانصيب الجديدة، وبطاقات التموين البحري، وسندات شركة الهند الشرقية، وغيرها من السندات العامة”!(1)
وقد سجلت سوق لندن للأوراق المالية أول حالة انهيار للأسواق المالية في التاريخ الحديث، وذلك في عام 1720 عندما أدت موجة المضاربات المحمومة لـ “انفجار” أول فقاعة عرفتها الأسواق تحت مسمى “فقاعة بحر الجنوب” (South Sea Bubble)!
وعندما ننتقل إلى الولايات المتحدة الأمريكية، فلا يسعنا، قبل الحديث عن سوق المال، إلا أن نذكر الشارع الأشهر في الأسواق العالمية: وول ستريت (Wall Street).
في عام 1653م، قام الهولنديون في “نيو أمستردام” ببناء جدار لحماية “مانهاتن” من هجمات الإنجليز وسكان أمريكا الأصليون. استمر الجدار، ذاك، إلى حين هدَمَه البريطانيون في عام 1685م، ورصفوا في مكانه شارعاً أسموه بـ “شارع الجدار” Wall Street تخليدا لذكرى الجدار الذي اقتحموه حينها.
ولم يكن أول سوق أمريكية للأوراق المالية في نيويورك، كما قد يتبادر إلى أذهان العامة، بل كان في فيلادلفيا في عام 1790م.
لكن، في عام 1792، وتحت شجرة جمّيز(Buttonwood) في “حديقة الحصن” Castle Garden والتي تسمى الآن Battery Park، اجتمع 24 من رجال الأعمال بقيادة “جون ساتون” John Sutton و و”بنجامين جاي” Benjamin Jay ووقعوا اتفاقية “باتونوود” Buttonwood لتأسيس “شركة الوسطاء ليبع الأسهم” Brokers for the Sale of Public Stocks، وفتحوا مكتب لهم بأسم “مكتب تبادل الأسهم” The Stock Exchange Office.
في البداية، كانت تعرض الأوراق المالية (تذاكر اليانصيب، السندات، الأسهم) عند الظهر، من كل يوم، في مزاد علني، وعلى البائع دفع عمولة لـ “المكتب” عن كل ورقة مالية تباع له.
بعد شهرين، فقط، من تأسيسه، شهد سوق نيويورك للأوراق المالية أول فضيحة مالية يسجلها تاريخ الأسواق المالية الحديث بسبب المضاربة المحمومة التي قادها وكيل وزارة الخزانة، آنذاك، “وليام دور” William Duer، واختلاسه لمبلغ 250 ألف دولار من الأموال العامة التي كانت في عهدته، والتي أوصلته لـ “سجن المعسرين”، وتسببت في أول انهيار للسوق بخسائر قدرت، حينها، بحوالي ثلاثة ملايين دولار.
ولم يكن هجوم الحادي عشر من سبتمبر، 2001 الهجوم الأول على “وول ستريت”، فقد سبقه هجوم إرهابي في نفس الشهر من عام 1920 (16 سبتمبر) عندما توقفت عربة محملة بالمتفجرات أمام بناية جي بي مورغن JP Morgan؛ وتسبب انفجارها بمقتل 35 شخصا، وجرح المئات. ولم تتمكن السلطات حينها، أيضا، من القبض على أي من مخططي ومقترفي الجريمة!
أما في الوطن العربي، فكانت الإسكندرية تحتضن أول بورصة حيث تمت أول صفقة قطن محلية مسجلة في عام 1885 بمقهى أوروبا السكندري بميدان “Des Consuis” والذي سمى لاحقاً ميدان محمد على.
وكان المتعاملون الأولون في صفقات القطن ينتظرون وصول صحيفة الأنباء من أوروبا لكي ترشد عملياتهم في المستقبل، وكانت السمعة الطيبة تؤثر على كل حركة، فقد نال مزارعو القطن الذين كانوا يقومون بتسليمه في الموعد المحدد ثقة المصدرين ومن ثّم كانوا يتسلمون طلبات كبيرة في الموسم التالي. فكان احترام المواعيد والمصداقية ذات أهمية جوهرية إذا ما أرد التاجر تحقيق ربحاً.
ومن المقهى الأوروبي السكندري انتقل متممو صفقات القطن إلى مبنى مجاور. وعندما بدأ العمل يتزايد أنشئت هيئة الإسكندرية للقطن (سميت لاحقاً بالهيئة السكندرية العامة للغلة أوال AGPA) بغرض التجارة في القطن وبذور القطن والحبوب في الأسواق الفورية والآجلة.
وفى عام 1899 خلال عهد الخديوي عباس الثاني انتقلت الـ AGPA إلى مبنى جديد، ومن ثّم أطلق عليها البورصة بميدان محمد على. وأصبحت بورصة الإسكندرية إحدى معالم المدينة التي تظهر على بطاقات البريد، والكتب والدليل الإرشادي للمدينة، وأصبحت البورصة بطرق عديدة النقطة المركزية لمجتمع المدينة المالي.
وقد سجلت بورصة الإسكندرية أول انهيار مالي في بورصات الوطن العربي عندما انهارت المؤسسات المصرفية والعقارية للأسواق بسبب المضاربات المحمومة!
وفي القاهرة، أعاد كبير التجار والسماسرة السيد “موريس كاتاوى” لفت انتباه التجار والسماسرة أثناء إحدى اجتماعاتهم غير الرسمية بـ “مقهى نيوبار” إلى أن الوقت قد حان لكي تنتهج القاهرة نهج الإسكندرية ويكون لها بورصة خاصة بها. فلقد أصبح من الصعب على رؤساء المنشآت الأجنبية إجراء اتفاقات في شوارع القاهرة الجانبية أو داخل المقاهي والفنادق بشأن تمويل حكوماتهم لمشروعات تستهدف كسب التأييد وربحية أشخاص بعينهم. ومن هنا كان ميلاد بورصة القاهرة: ففي يوم الخميس الموافق 21 مايو 1903 قامت اللجنة الخاصة برئاسة “موريس كاتاوى” باختيار المبنى القديم للبنك العثماني ( وهو الآن مبنى جروبي- فرع عدلي) الكائن بشارع المغربي كمقر رسمي- ولكن بصفة مؤقتة- للشركة المصرية للأعمال المصرفية والبورصة - المؤسسة حديثاً- شركة ذات مسئولية محدودة.
ولقد حاز المهندس المعماري الفرنسي “راؤول براندون” على جائزة أفضل تصميم في إبريل 1907. ولم يكن هناك توقيت أفضل من ذلك أو هكذا أعتقد الجميع، فقد كان داعمو ومناصرو قيام البورصة يتمتعون بجرأة دفعتهم إلي النجاح والنمو. وكان أمراً معروفاً للجميع أن بورصتا القاهرة والإسكندرية، عند اجتماعهما، احتلا مركزاً بين أكبر خمس بورصات على مستوى العالم.
إلا أنه سرعان ما اختفت حالة الشعور بالنشاط تلك، وأفسحت الرغبة في الحرص والتدبر المجال للمضاربات التي تنطوي على مخاطرة عالية، وانتهى بها الأمر كما عرفت في السجلات التاريخية للمضاربات عام 1907.
ويسلم بعض المؤرخين بأن الذعر المالي الذي وقع في عام 1907 بدأ في الإسكندرية بمصر مع إخفاق بنك في يوليو من هذا العام ألا وهو بنك “كاسادى سكونتو”. ولقد ضرب هذا الانهيار اليابان بعد ذلك، ثم ألمانيا ثم شيلي، ومع حلول شهر أكتوبر أمتد ليشمل أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية. وقد أخذت المصارف المصرية شديدة التوسع في الانهيار واحد تلو الآخر حيث انخفضت أسعار الأسهم بسرعة شديدة، وقد تم تعيين السيد “آفرد نعمان” السمسار الذي أصبح بدون عمل آنذاك- كمصفى رئيسي للشركة المصرية للأعمال المصرفية والبورصة كشركة ذات مسئولية محدودة.(2)
وفي المملكة العربية السعودية، فقد تأسست أول شركة مساهمة في عام 1354هـ، بعد صدور أول نظام تجاري في المملكة قبل ذلك بأربعة أعوام. لكن نظام الشركات لم يصدر إلا في عام 1385هـ (1965م). وكان التخطيط لإنشاء سوق المال السعودي قد بدأ منذ بداية الثمانينات، في الوقت الذي كانت هناك 38 شركة مساهمة (عام 1983)، إلا أنه لم يصدر في صورته النهائية إلا في نوفمبر، 2003م، وبدأ في تطبيقه في يوليو، 2004.
في عام 1985، أدخلت مؤسسة النقد بعض التحسينات في عملية بيع وشراء الأسهم بتأسيس “الشركة السعودية لتسجيل الأسهم” وحصرت مساهمتها للبنوك العاملة في المملكة. وكانت عملية تداول الأسهم تتم عبر تبادل الشهادات الفعلية (الورقية) للأسهم عبر البنوك. وفي عام 1990، أدخلت المؤسسة نظام تداول الكتروني يتم بموجبه تحويل أوامر تداول الأسهم من البنك إلى الكمبيوتر المركزي التابع للمؤسسة بغرض تدقيق ملكية الأوراق المالية وتسجيلها. وفي عام 2001، أدخلت المؤسسة نظام “تداول” الالكتروني والذي أناح نقل المعلومات وتداول الأوراق المالية عبر الانترنت.
وفي نظرة سريعة للأعوام العشرة الأخيرة، نلاحظ، بوضوح، التغير الذي طرأ على عدد الأسهم المتداولة، وقيمتها وعدد الصفقات المنفذة، ومؤشر السوق. فقد بلغت الكمية المتداولة في العام 1996 نحو 138 مليون سهم، بقيمة إجمالية قدرها 25.3 بليون ريال، نفذت من خلال 284 ألف صفقة. تلك المعدلات التي تحققت في عام كامل أصحبت تنفذ في تعاملات يوم واحد في العام 2005، حيث سجلت السوق أعلى قيمة في تاريخها في تعاملات يوم 13 ديسمبر، 2005 (34.9 بليون ريال)، وبلغت أكبر كمية متداولة في يوم 5 يونيو، 2005 (85.4 مليون سهم)، وأكبر عدد من الصفقات المنفذة في يوم 20 ديسمبر، 2005 (355 ألف صفقة)، وأنهى المؤشر السنة (2005) عند مستوى 16712.64 نقطة، بزيادة نسبتها 103.66 في المائة، عن مستواه نهاية السنة السابقة والذي بلغ 8206.23 نقطة، نتيجة لصعود أسعار أسهم كل الشركات المدرجة في السوق.
وخلال العام 2005 ارتفع عدد الشركات المدرجة في سوق الأسهم السعودية إلى 77 شركة، بعد إدراج وتداول أسهم 4 شركات في قطاعات السوق المختلفة بعد عمليات الاكتتاب عليها، ابزرها عملية الاكتتاب العام على 50% من أسهم بنك البلاد التي تمثل 30 مليون سهم، بقيمة اسمية 50 ريالاً للسهم، والتي بلغ عدد المكتتبين فيها 8.8 مليون مكتتب، ضخوا نحو 7.7 بليون ريال قبل رد فائض الاكتتاب، وصعد سعر السهم في أول يوم لتداوله إلى 950 ريالاً، بسنة زيادة 1900 في المائة.
وقد ارتفعت الكمية المتداولة العام الماضي إلى 12.28 بليون سهم، في مقابل 10.3 بليون سهم العام السابق (2004)، بنسبة زيادة 19.3 في المائة، وصعدت القيمة المتداولة إلى 4.14 تريليون ريال (1.1 تريليون دولار)، في مقابل 1.76 تريليون ريال (471.8 بليون دولار)، بنسبة زيادة 134 في المائة، وارتفع عدد الصفقات إلى 46.6 مليون صفقة، بنسبة زيادة 252 في المائة. وارتفعت القيمة السوقية في نهاية السنة إلى 2.44 تريليون ريال (650.2 بليون دولار)، في مقابل 1.095 تريليون ريال (292 بليون دولار، بنسبة ارتفاع 112.28 في المائة. وارتفع عدد المتعاملين في سوق الأسهم السعودية من 60 ألف عام 2003 إلى أكثر من أربعة ملايين في مطلع عام 2006!
إنها، إذن، فتنة الأسهم، كما يصفها فضل بن سعد البوعينين، التي عمت البيوت والشركات الأسواق.. تغلغلت في نفوس النساء والرجال والأطفال حتى أصبحت الشغل الشاغل لهم، بل من أولوياتهم الحياتية، خصوصاً أن الاستثمارات المالية في سوق تداول الأسهم لا تعدو أن تكون نقل ذمم مالية من أطراف مختلفة دون أن تحقق قيماً مضافة إلى الاقتصاد بشكل عام.
وهي قضية اقتصادية اجتماعية، تفرض علينا التمعن فيها ودراستها. فقد أسهمت في تغيير العادات والثقافات والعلاقات الاجتماعية والأسرية؛ وحوّلت جزء لا يستهان به من المجتمع إلى مجتمع مادي، مضارب، يبحث أفراده عن الكسب السريع ويقيمون علاقاتهم بموازين المصلحة والانتفاع.(3)
فلم تكن القرارات ’الاستثمارية’ تتخذ بناء على معطيات تحليلية أو استنادا إلى التوقعات بشأن الأرباح المستقبلية، بل بناء على الحدس والتمني بأن يكون الحظ الجيد حليفا. وأصبح التخمين والمراهنة على المسار المستقبلي للأسعار، أي ما يعرف بالمضاربات، جزءا من العمليات التجارية الاعتيادية.
وكان الدكتور عدنان بن عبد الله الشيحة قد أسهب في تفصيل ما كان يحدث في السوق السعودية، مع تأكيده على أنه ” ليس هناك مَن يستطيع فهم وتحليل ما يجري في سوق الأسهم السعودية، فضلا عن التنبؤ بما سيحدث في المستقبل القريب. (إنه) وضع غريب؛ أشبه ما يكون بلعبة قمار عنه سوق للأسهم. فلا قوائم مالية تؤخذ في الحسبان ولا الأداء المالي للشركات ومكرر الربح للسهم ولا إنتاجيتها ولا الطلب المستقبلي على منتجاتها ولا نمو القطاع أو الصناعة وتوجهاتها المستقبلية كل ذلك لا يلتفت إليه! وعوضا، يعتمد على مؤشر قيمة السهم صعودا ونزولا وقيمته السوقية التبادلية وليس النفعية الإنتاجية.
بعض الشركات في سوق الأوراق المالية لم يبدأ نشاطه بعد! وأخرى وهمية تحمل اسما رناناً دون حتى مقر!، وهناك شركات تعلن عن خسائرها جهارا نهارا على صفحات الجرائد، ومع ذلك تجد قيمة أسهمها في ارتفاع متزايد وبسرعة الصاروخ!! ماذا يحدث؟! هل هذا معقول؟! أليس في القوم رجل رشيد؟ هل غاب المنطق مع التضخم الوهمي لقيمة الأسهم واغتر الناس بالربح السريع والارتفاع الذي لا يمثل الطلب الحقيقي على الإنتاج!”(4)
ويشرح الدكتور الشيحة، بعد أن يعتذر لقرّائه عن تشبيهه سوق الأسهم بالقمار، الأسباب التي دعته لذلك، بقوله: “اضطررت لذلك لسببين رئيسيين: الأول، إن هناك تشابها كبيرا بين تفكير ودافعية وسلوك كثير من المضاربين بسوق الأسهم، وذلك التفكير التخيلي للمقامر ذي النزعة نحو جعل احتمالية الربح دائما في جانبه، وعدم الاكتراث والتحسب للأسوأ واحتمالية الخسارة. وبسبب سيطرة الأماني غير الواقعية يندفع وبكل قوة ويستمر في إصراره في أنه يوما ما ستتحقق أمنيته وينهمر المال عليه من كل حدب وصوب، بل من الغريب أن يقوى هذا الشعور أكثر من ذي قبل، بعد كل خسارة يُمنى بها!
السبب الثاني لتشبيه سوق الأوراق المالية بالمقامرة هو أن عملية المضاربة، كما هي عليه في سوق الأسهم السعودية، لا تسهم في التنمية والنمو الاقتصاديين. فهناك تداول للأموال من شخص لآخر دون أن تكون هناك قيمة اقتصادية مضافة. على سبيل المثال قد تجد شركة زراعية جل أرباحها من غير المشاريع الزراعية! بل بعض عوائدها حصيلة استثمارات في الأوراق المالية! وجزء آخر فوائد ربوية لإيداعات بنكية. وهكذا نكون دخلنا في دوامة من التعاملات، في الاقتصاد، لا تسمن ولا تغني من جوع.”(5)
هذه المضاربات، ومهما كانت تسمياتها المغلفة من استثمارات أو إدارة محافظ أو تغطية التزامات أو سواها أو بأي لغة حولناها، تبقى عبارة عن مغامرة، إن لم نقل مقامرة، والأفضل تحاشيها والابتعاد عن أخطارها لأن التجربة أثبتت أن نهايتها خطرة ونادرا ما يخرج من مارسوها سالمين.(6)
وتؤكد الحقائق الثابتة بالتجربة وجود عدم استقرار مالي في البيئة المحدثة لتحرير أسواق رأس المال. ويذكر وليام وايت William White في ورقة عمل أعدها لصالح بنك التسويات الدولية BIS بأنه “يبدو أن حدة الأزمات المالية الدولية وتكرار حدوثها أخذت تتزايد كثيرا خلال السنوات العشرين الماضية”. ثم يضيف إلى ذلك قوله: “لقد أفضت هذه الأزمات المالية، وبشكل متزايد، إلى اضطرابات اقتصادية حادة، وارتفاع في معدلات البطالة، حتى أنها في كثير من الأحيان قد تسببت في عودة الفقر إلى الكثير من الأسواق الناشئة”. فمن بين 282 شركة مسجلة في بورصة جاكرتا، على سبيل المثال، والتي كانت تتمتع بالحيوية والملاءة المالية، لم يبق سوى 22 شركة على ذلك الحال بعد انهيار السوق الاندونيسية. كل تلك المصائب تسبب بها المضاربون الذين يعملون بنظام التحكم عن بعد. لقد جُرِّد مالكو 260 شركة من حقهم في ثرواتهم وأصبح قرابة 50 مليون إندونيسي آخر يعيشون تحت خط الفقر.
ويبدو جاغديش باجواتي Jaghdish Bhagwati محقا في قوله “إن الادعاء بوجود منافع هائلة في حركة رأس المال الحرة ليس مقنعا”. ويضيف باجواتي، الذي يعتبر واحدا من أقوى المدافعين عن حرية التجارة في السلع والخدمات، في مقال نشرته مجلة Foreign Affairs وتناقلته الصحف مرارا: “لا أحد سوى اقتصادي قليل الخبرة والعلم يقول إن حرية التجارة في السلع الصناعية وبوالص التأمين على الحياة مشابهة تماما لحرية رأس المال.” ثم يتابع حديثه فيشجب أولئك الاقتصاديين الذين يبالغون في وصفهم للنتائج المفيدة لحرية حركة رأس المال “وفي الوقت نفسه لا ينظرون إلى الجانب السلبي لحرية الحركة هذه، الذي قد ينتهي بأزمة”.(7)
“إن أزمة مالية كبيرة توشك أن تقع يكون ضحيتها عدداً كبيراً من صغار المساهمين. المساهمون الذي استبدلوا أصولهم الحقيقية من عقار أو مدخرات ليستثمروها في سوق الأسهم!”(8)
وقد سبق الدكتور مفرج بن سعد الحقباني زميله الدكتور الشيحة في قرع جرس الإنذار في مقال له في جريدة الجزيرة بتاريخ 5 يوليو، 2005: ” إنني أحذر من كارثة تأكل الأخضر واليابس …. وأحذر من حالة الإدمان التي أصابت معظم أفراد المجتمع السعودي وعطلت قدراتهم الإبداعية والاستثمارية، وأحذر من عملية أو عمليات نقل الثروة بطريقة غير نظامية لجيوب وحسابات كبار المستثمرين ……، وأحذر من حالة التراخي في أداء الموظفين خلال فترة التداول الصباحية مما ينعكس سلباً على نوع وكمية الخدمة المقدمة للمواطنين، وأحذر وأحذر.. فهل نجد تفاعلاً للتصحيح أم تكاسلاً حتى تقع المصيبة.”(9)
وجاء التحذير الأخير من صندوق النقد الدولي في تقريره في ديسمبر، 2005 حول المملكة العربية السعودية: “على الجهات المعنية أن تكون حذرة على ضوء الارتفاع الكبير والمتواصل في أسعار الأسهم. كما أن هناك تحذير بخصوص المخاطر المرتبطة بتضخم أسعار الأصول”(10)
وها هو المحتوم، في اقتصاد الكازينو قد وقع أخيراً!
فهل يكون الهبوط الحالي في قيمة الأسهم بحد ذاته نعمة؟ “عساه يكون درسا، وإن مؤلما، للسواد الأعظم ممن أدّوا قسطهم في لعبة المضاربة”(11)
==============
1- تاريخنا، موقع سوق لندن للأوراق المالية
2- تاريخ البورصة، موقع بورصتي القاهرة والإسكندرية
3- فضل بن سعد البوعينين، فتنة الأسهم وأثرها في قطاع الإنتاج، الاقتصادية، 17 نوفمبر 2005، العدد 4420
4- د. عدنان بين عبد الله الشيحة، سوق الأسهم: استثمار مع وقف التنفيذ؟!
5- المصدر السابق
6- جعفر الجزار، الادخار والاستثمار – والمضاربة في البورصة، ص 200
7- Bhagwati, Jaghdish. The Capital Myth, Foreign Affairs 77, May/June 1998
8- الشيحة، مصدر سابق
9- أ. د. مفرج بن سعد الحقباني، اقتصادنا الوطني في ورطة سوق الأسهم، جريدة الجزيرة، 5 يوليو، 2005م، العدد 11968
10- ساب، النشرة الاقتصادية السعودية، العدد 38، مجلد 10
11- رمزي الحافظ، عودة العقل والعمل، بزنس ويك العربية، أبريل 2006

أبوسالم
01-01-2007, 11:38 AM
أخي العزيز مشعان

بارك الله فيك

معلومات رائعة ومفيده وقيمه ونادرة

وهذا بالفعل ماحذر منه بعض الناس قبل الأنهيار أليس في القوم رجل رشيد

والحمدلله على كل حال

مشعان.
08-01-2007, 05:06 PM
أبو سالم

تسلم لي على المرور والتعليق الجميل

خالد العاصمي
09-01-2007, 08:00 PM
لاهنت يامشعان وتسلم يمينك

معلومات تاريخية رائعة لتاريخ أسواق الأسهم العالمية

لاكن لو يقفلون سوقنا للأسهم زي تقفيلة العيد سيرتاح الجميع من وجع الراس

السهم المشعلي
09-01-2007, 09:08 PM
تشكر على هذا النقل المفيد